مواقف أحرجت خطباء

  قبل أن تقف أمام الناس خطيبًا، سواء في خطبة جمعة، أو متحدثًا في أي محفل، أو في أي مجتمع كان، فكن مستعدًّا بثلاث:

الأولى: زادُك الثقافي المتنوع، فكلما كنت ملمًّا ومطلعًا على جميع الثقافات، وقدرت أن تحفظ أهمَّها، ازدادت قدرتُك على مجاراة الغير وكسب قلوبهم، واستطعت أن تنمِّيَ جانبك المعرفي، حتى تحيِّر من يسمعك، ويجزم بأنك موسوعة يخشى مواجهتها.
الثانية: التعمق في التخصص الذي تشتغل به؛ فكلما تعمَّقتَ فيه، قويتْ حُجَّتُك، وزادت شهرتك، وتميَّزت عن غيرك، فحديث المتخصص ليس كغيره، فافهم هذا جيدًا.
 الثالثة: معالجة المواقف المحرجة، ومنها:
انطفاء الكهرباء.
تعطُّل جهاز الصوت.
اعتراض أحد الحاضرين على بعض حديثك.
نسيان ورقة الموضوع الذي أعددتَه.
إحداث فوضى مفاجئة داخل المكان بسبب بعض الأطفال، صرع وصياح لأحد الحاضرين، أو صوت انفجار لأحد أجهزة الكهرباء، أو غيرها.
كل هذه المواقف والطوارئ عند حدوثها تكون سببًا في ارتباك المتحدِّث، وتشتيت فكره؛ مما يُحدِث عنده توترًا وقلقًا قد يؤدي إلى عدم اتزان كلامه، وقلة تركيزه فيما يقول، بل ربما ينسى مكانَ آخر نقطة توقَّف عندها، فيؤثر على أدائه، وخاصة إذا شعر بأن الحاضرين يلاحِظون ذلك فيه.
العلاج:
أولًا: قبل حضورك للمكان الذي تَوَدُّ الوقوف فيه لحديثك، كن على استعداد نفسيٍّ لاحتمال حدوث مثل هذه الطوارئ وكيفية معالجتها، وهي كالتالي:
مثلًا انطفاء الكهرباء: فعند الانتهاء من إعداد كلمتك، حدِّد لك أماكن وقوف عند احتمال انطفاء الكهرباء، بحيث تختصر موضوعك في نقطة معينة من غير أن تُخِلَّ بالمعنى، يعني خطبة احتياطية قصيرة قد لا تتجاوز حديثًا أو حديثين مع فوائد مختصرة وتُنهي الموضوع بسلام، ولا تلزم نفسك والناسُ تتأفَّف من شدة الحر بأن تكمل جميع ما كتبته وأعددته؛ فلن تحقِّق هدفك ما دام الناس ليست معك.
تعطُّل جهاز الصوت: ينطبق عليه ما سبق من تحديد نقاط الوقوف غير المُخِلِّ، فبدون وضوح الصوت لن تصل رسالتُك للجمهور، ولكن متى استطعت تجهيز بدائلَ صوتية تشتغل على غير الكهرباء حال الطوارئ، كان ذلك أفضل، ولكن إن كان في غير خطبة جمعة فلا تبدأ حتى تتأكَّد من سلامة الصوت أو وجود البديل الذي يقوم مقامه، فإنْ عُدم كل ذلك فإن كان الاختصار سيحقِّق الهدف، وإلا فأَجِّلِ الحديث إلى وقت مناسب.
اعتراض الحاضرين على بعض حديثك: لا شكَّ أنه مما يؤثِّر على نفسيتك أثناء حديثك، فيتطلَّب منك الهدوء والصمت حتى يَكفيَك الله شرَّه إما بغيرك أو يسكت بنفسه، ثم تأخذ نفَسًا عميقًا وتُخرِجه بتدرُّج شيئًا فشيئًا، وبعد ذلك انطلِقْ بصوت منخفض وهدوء ووقوف بين الجمل قصيرٍ، ثم تتدرج في الرفع رويدًا رويدًا حتى تعود إلى طبيعتك.
نسيان ورقة الموضوع: هذه من الشائكات التي يتورط فيها المتحدِّث، وكم من الخطباء من قد وقع فيها وغيرهم كذلك، وقد شهدتُ موقفًا لأحدهم عشت معاناته معه كأنني صاحب الموقف؛ لشدة حرجه، وسمعت عن آخرين كذلك، فأقول: علاج مثل هذا الموقف هو ما سبق ذكرُه في الاستعداد الثقافي والمعرفي، فكلما كان لدى المتحدِّث سَعةُ اطلاع، كانت لديه القدرة على مواجهة هذه التحديات، فيتحدث بما شاء من غير مشقة، ولكن لو افترضنا أنه ليس لديه تلك الثقافةُ، ففي نظري أن هناك فكرتين أراهما مناسبتين إن كان خطيبًا دائمًا في مسجده:
الأولى: إعداد خطبة قصيرة تتناسب مع كل الأوقات، ووضعها في مكان محفوظ بجانب المنبر، متى وجَدَ أنه بحاجة إليها تناوَلَها، بمعنى خطبة طوارئ.
الثانية: حفظ أحاديث سهلة المعاني والتعليق عليها، أو بعض النصوص القصيرة وإتقان حفظها جيدًا، فمتى ما وقع في مثل هذه الأحوال استدعاها من ذاكرته وأنقذ نفسَه.
وأما في غير خطبة الجمعة؛ كالاحتفالات والأمسيات وغيرها، فما عليه إلا أن يملأ جَعْبتَه ببعض التجارِب المتنوعة التي يحاول أن تُناسِبَ معظم المواقف التي يعمل بها، وحفظ بعض الإحصاءات التي تناسب المجالات التي سيتحدث عنها، أو يحوِّل اللقاء إلى نقاش وحوار حول فكرة يجيد الحوار فيها.
أما إحداث فوضى مفاجئة في المكان: فقد سمعتُ أنه حدث في بعض الجوامع التي أعرفها أثناء خطبة الجمعة، حيث أصابت أحدَ الحاضرين حالةٌ نفسية فأخذ يصيح وينفعل، بل أخذ يضرب هنا وهناك ويرمي بما يقع في يديه على الحاضرين، حتى أحدث إرباكًا لجميع المصلِّين وفوضى، ولا شك أن الخطيب من أكثرهم ارتباكًا، فمثل هذه الحالة علاجُها كعلاج اعتراض أحد الحاضرين على حديثك، بالإضافة أن يطلُب من الحاضرين إخراج مصدر التشويش والفوضى إلى خارج المكان والتخلص منها.
هذه الحالات ما قُلتُها من فراغ، بل من واقع تجارِبِ أكثرَ من خمس وثلاثين سنة عشتُ أحداثها بنفسي، وشهدت بعضها حدثتْ لغيري من الخطباء، فالبعض أحسَنَ التصرف، والبعض لم يُحسِن فوقع في ورطة من الحرج لا يعلمها إلا الله.

التعليقات




  • Reply
`

اتصل بنا

الفرع الرئيسي

السعودية - الرياض

info@daleelalmasjed.com

رؤيتنا : إمام مسجد فاعل ومؤثر

رسالتنا: نقدم برامج تربوية تعيد للمسجد دوره الحقيقي وتسهم في رفع أداء أئمة المساجد حول العالم وتطويرهم ليقوموا بدورهم الريادي في تعليم الناس ودعوتهم على منهج أهل السنة والجماعة وفق خطة منهجية وأساليب مبتكرة.