ما هو حكم التباعد بين المصلين في صلاة الجماعة بسبب وباء كورونا؟

أولا
جاء الأمر في السنة بإقام الصلاة ورص الصفوف وسد الفرج، وإتمام الصف الأول فالأول.
روى أحمد (12352) وأبو داود (671) والنسائي (818) عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَتِمُّوا الصَّفَّ الْأَوَّلَ ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، وَإِنْ كَانَ نَقْصٌ فَلْيَكُنْ فِي الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ.
ولفظ أبي داود: أَتِمُّوا الصَّفَّ الْمُقَدَّمَ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، فَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ فَلْيَكُنْ فِي الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ .
وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
وروى أحمد (5724) وأبو داود (666) عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أَقِيمُوا الصُّفُوفَ وَحَاذُوا بَيْنَ الْمَنَاكِبِ وَسُدُّوا الْخَلَلَ وَلِينُوا بِأَيْدِي إِخْوَانِكُمْ، وَلَا تَذَرُوا فُرُجَاتٍ لِلشَّيْطَانِ وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللَّهُ والحديث صححه الألباني في صحيح أبي داود.
وروى أبو داود (667) والنسائي (815) عن أنس رضي الله عنه أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: رُصُّوا صُفُوفَكُمْ، وَقَارِبُوا بَيْنَهَا، وَحَاذُوا بِالْأَعْنَاقِ صححه الألباني في "صحيح أبي داود".
ومعنى التراص المأمور به في تسوية الصفوف:
قال السندي رحمه الله: "قَوْله (رَاصُّوا صُفُوفكُمْ) بِانْضِمَامِ بَعْضكُمْ إِلَى بَعْض عَلَى السَّوَاء (وَقَارِبُوا بَيْنَهَا) أَيْ: اِجْعَلُوا مَا بَيْن صَفَّيْنِ مِنْ الْفَصْل قَلِيلًا، بِحَيْثُ يَقْرَب بَعْض الصُّفُوف إِلَى بَعْض" انتهى.
وقال ابن المنذر رحمه الله:"حَكَى عَلِيٌّ عن أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: قَالَ الْكِسَائِيُّ: التَّرَاصُّ أَنْ يَلْتَصِقَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، حَتَّى لَا يَكُونَ بَيْنَهُمْ خَلَلٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ [الصف: 4] الْآَيَةَ" انتهى من الأوسط لابن المنذر (4/2019) :
وقال النووي رحمه الله: "والمراد بتسوية الصفوف اتمام الأول فالأول وسد الفرج ويحاذى القائمين فيها بحيث لا يتقدم صدر أحد ولا شئ منه على من هو بجنبه ولا يشرع في الصف الثاني حتى يتم الاول ولا يقف في صف حتى يتم ما قبله" انتهى من المجموع للنووي (4/123)
وقال الشيخ ابن عثيمين: "وتسوية الصَّفِّ تكون بالتساوي، بحيث لا يتقدَّم أحدٌ على أحد، وهل المعتبر مُقدَّم الرِّجْلِ؟
الجواب: المعتبر المناكب في أعلى البَدَن، والأكعُب في أسفل البَدَن ...
ثم إن تسوية الصَّفِّ المتوعَّد على مخالفتها هي تسويته بالمحاذاة ...
وهناك تسوية أخرى بمعنى الكمال؛ يعني: الاستواء بمعنى الكمال كما قال الله تعالى: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى [القصص: 14] أي: كَمُلَ، فإذا قلنا: استواءُ الصَّفِّ بمعنى كماله؛ لم يكن ذلك مقتصراً على تسوية المحاذاة، بل يشمَل عِدَّة أشياء:
1 ـ تسويةَ المحاذاة، وهذه على القول الرَّاجح واجبة، وقد سبقت .
2 ـ التَّراصَّ في الصَّفِّ، فإنَّ هذا مِن كماله، وكان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يأمر بذلك، ونَدَبَ أمَّتَهُ أن يصفُّوا كما تصفُّ الملائكةُ عند ربِّها، يتراصُّون ويكملون الأول فالأول ، ولكن المراد بالتَّراصِّ أن لا يَدَعُوا فُرَجاً للشياطين، وليس المراد بالتَّراص التَّزاحم؛ لأن هناك فَرْقاً بين التَّراصِّ والتَّزاحم ...." انتهى من "الشرح الممتع" (3/10)
ثانيا:
 قال النووي رحمه الله: " اتفق أصحابنا وغيرهم على استحباب الصف الأول والحث عليه، وجاءت فيه أحاديث كثيرة في الصحيح، وعلى استحباب يمين الإمام، وسد الفرج في الصفوف، وإتمام الصف الأول ثم الذي يليه إلى آخرها، ولا يَشرع في صف حتى يتم ما قبله" انتهى من المجموع (4/ 301).
بل إن ظاهر الأمر بتسوية الصفوف وتشديد النبي صلى الله عليه وسلم في أمرها يدل على الوجوب كما هو ظاهر كلام الإمام ابن تيمية رحمه الله حيث قال:
"فَإِنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ سُمِّيَتْ جَمَاعَةً لِاجْتِمَاعِ الْمُصَلِّينَ فِي الْفِعْلِ مَكَانًا وَزَمَانًا ... بَلْ قَدْ أُمِرُوا بِالِاصْطِفَافِ بَلْ أَمَرَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَقْوِيمِ الصُّفُوفِ وَتَعْدِيلِهَا وَتَرَاصِّ الصُّفُوفِ وَسَدِّ الْخَلَلِ وَسَدِّ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ كُلُّ ذَلِكَ مُبَالَغَةً فِي تَحْقِيقِ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى أَحْسَنِ وَجْهٍ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الِاصْطِفَافُ وَاجِبًا لَجَازَ أَنْ يَقِفَ وَاحِدٌ خَلْفَ وَاحِدٍ وَهَلُمَّ جَرَّا. وَهَذَا مِمَّا يَعْلَمُ كُلُّ أَحَدٍ عِلْمًا عَامًّا أَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ صَلَاةَ الْمُسْلِمِينَ وَلَوْ كَانَ هَذَا مِمَّا يَجُوزُ لَفَعَلَهُ الْمُسْلِمُونَ وَلَوْ مَرَّةً ... فَقِيَاسُ الْأُصُولِ يَقْتَضِي وُجُوبَ الِاصْطِفَافِ" انتهى من "مجموع الفتاوى" (23/ 394)
وهو اختيار الشيخ ابن عثيمين رحمه الله حيث قال:
"ولهذا كان القولُ الرَّاجحُ في هذه المسألة: وجوب تسوية الصَّفِّ، وأنَّ الجماعة إذا لم يسوُّوا الصَّفَّ فهم آثمون، وهذا هو ظاهر كلام شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله . لكن إذا خالفوا فلم يسوُّوا الصَّفَّ فهل تبطل صلاتهم؛ لأنهم تركوا أمراً واجباً؟
الجواب: فيه احتمالٌ، قد يُقال: إنها تبطل؛ لأنهم تركوا الواجب. ولكن احتمال عدم البطلان مع الإِثم أقوى؛ لأن التسويةَ واجبةٌ للصلاةِ لا واجبة فيها، يعني أنها خارج عن هيئتها، والواجبُ للصَّلاةِ يأثمُ الإِنسانُ بتَرْكِه، ولا تبطلُ الصَّلاةُ به، كالأذان مثلاً، فإنه واجبٌ للصَّلاةِ، ولا تبطل الصَّلاةُ بتَرْكِه" انتهى من الشرح الممتع (3/10).
ثالثا:
أما صحة الصلاة، فهي صحيحة، حتى عند الحنابلة الذين يبطلون صلاة المنفرد خلف الصف.
قال في "مطالب أولي النهى شرح غاية المنتهى" (1/ 695): " (ولا تبطل) الصلاة (بقطع صف مطلقا) ، أي: سواء كان وراء الإمام أو عن يمينه (إلا) أن يكون قطع الصف (عن يساره) ، أي: الإمام (إذا بعد) المنقطع (بقدر مقام ثلاثة رجال) ؛ فتبطل صلاته، قاله ابن حامد، وجزم به في الرعاية الكبرى...
(و) يتجه أيضا: (أنه من بعد عن الصف) مع محاذاته له، وكان بعده عنه (قدر ذلك) ، أي: مقام ثلاثة رجال (ففذ) ، أي: فرد لا تصح صلاته.
وهذا ليس بوجيه، إذ قد تقدم أنه لا بأس بقطع الصف خلف الإمام، وعن يمينه، وهو يشمل الواحد والجماعة" انتهى.
وقال العلامة عثمان النجدي في حاشيته على "شرح المنتهى" (1/ 318): " فانقطاع الصف بوقوع فرجة فيه: تارة يكون بقدر مقام ثلاثة رجال فأكثر، وتارة يكون أقل. والمنقطع: تارة يكون واحداً، وتارة يكون متعدداً. فهذه اثنتا عشرة صورة، عشر منها صحيحة، واثنتان تبطل فيهما صلاة المنقطع، وهما: ما إذا كان القطع في صف وقف بجنب الإمام عن يساره، وكانت الفرجة بقدر مقام ثلاثة فأكثر، فإنها تبطل صلاة المنقطع واحداً أو أكثر. وقد أشار المصنف إلى الصور كلها منطوقاً ومفهوماً" انتهى.
وينظر: "شرح المنتهى" (1/ 283)، "كشاف القناع" (1/ 488).
فالصورتان اللتان تبطل معهما الصلاة عند الحنابلة:
1-أن يكون المأمومون عن يسار الإمام، وصفهم به فرجة قدر ثلاثة رجال فأكثر، والمنقطع عن الصف مأموم واحد.
2-أن يكون المأمومون عن يسار الإمام، وصفهم به فرجة قدر ثلاثة رجال فأكثر، والمنقطع عن الصف أكثر من مأموم.
وأما لو وقفوا خلف الإمام أو عن يمينه مع وجود فرجة ولو قدر ثلاث رجال فأكثر، فلا تبطل صلاتهم.
ولم يعتبروا هذا من الانفراد خلف الصف؛ لوجود من يقف مع المصلي في الصف ولو على بعد، خلافا لما اتجه إليه العلامة مرعي في الغاية، ورده الرحيباني في المطالب، كما تقدم.
وأما الجمهور فيرون صحة صلاة المنفرد خلف الصف مع الكراهة إن كان لغير عذر، ومن باب أولى صحتها إذا وقف في الصف وترك فرجة.
وفي "الموسوعة الفقهية" (23/ 183): " الأصل في صلاة الجماعة أن يكون المأمومون صفوفا متراصة كما سبق بيانه، ولذلك يكره أن يصلي واحد منفردا خلف الصفوف دون عذر، وصلاته صحيحة مع الكراهة، وتنتفي الكراهة بوجود العذر على ما سيأتي بيانه.
وهذا عند جمهور الفقهاء: - الحنفية والمالكية والشافعية. والأصل فيه ما رواه البخاري عن أبي بكرة: أنه انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: زادك الله حرصا ولا تعد.
قال الفقهاء: يؤخذ من ذلك عدم لزوم الإعادة، وأن الأمر الذي ورد في حديث وابصة بن معبد الذي رواه الترمذي من أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي خلف الصف، فأمره أن يعيد الصلاة. هذا الأمر بالإعادة إنما هو على سبيل الاستحباب؛ جمعا بين الدليلين.
وعند الحنابلة تبطل صلاة من صلى وحده ركعة كاملة خلف الصف منفردا دون عذر؛ لحديث وابصة بن معبد أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد.
وعن علي بن شيبان: أنه صلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم فانصرف، ورجل فرد خلف الصف، قال: فوقف عليه نبي الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف قال: استقبل صلاتك، لا صلاة للذي خلف الصف. [رواه ابن ماجه]. فأما حديث أبي بكرة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهاه فقال: لا تعد، والنهي يقتضي الفساد، وعذره فيما فعله لجهله بتحريمه، وللجهل تأثير في العفو" انتهى.
رابعا:
على القول ببطلان صلاة المنفرد خلف الصف، فهل تصح صلاة من لم يجد من يقوم معه في الصف؟
يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
"من صلى خلف الصف منفرداً لأن الصف مكتمل فلا شيء عليه وصلاته صحيحة وهو مأجور لقول الله تبارك وتعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) أما إذا كان الصف غير مكتمل فعليه إعادة الصلاة لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لا صلاة لمنفردٍ خلف الصف) ولأنه رأى رجلاً يصلى خلف الصف منفرداً فأمره أن يعيد الصلاة هذا الذي قررناه هو القول الراجح أن صلاة المنفرد خلف الصف صحيحةٌ إذا كان الصف الذي أمامه مكتملا" انتهى من "فتاوى نور على الدرب للعثيمين"(8/ 2، بترقيم الشاملة آليا)
وقال رحمه الله: "الراجح أنها لا تصح [أي: الصلاة] خلف الصف المنفرد إلا إذا تعذر الوقوف في الصف بحيث يكون الصف تاماً, فإنه يصلي خلف الصف منفرداً تبعاً للإمام؛ لأنه معذور, ولا واجب مع العجز كما قاله أهل العلم - رحمهم الله - وإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام جعل المرأة تقف خلف الصف منفردة عن الرجال للعذر الشرعي, وهو عدم إمكان وقوفها مع الرجال, فإن العذر الحسي أيضاً يكون مسقطاً لوجوب المصافة" انتهى من"مجموع فتاوى ورسائل العثيمين" (15/ 193)
يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله:
"قَضِيَّةَ الْمَرْأَةِ تَدُلُّ عَلَى شَيْئَيْنِ. تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِدْ خَلْفَ الصَّفِّ مَنْ يَقُومُ مَعَهُ وَتَعَذَّرَ الدُّخُولُ فِي الصَّفِّ صَلَّى وَحْدَهُ لِلْحَاجَةِ وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ؛ فَإِنَّ الْوَاجِبَاتِ تَسْقُطُ لِلْحَاجَةِ وَأَمَرَهُ بِأَنْ يُصَافَّ غَيْرَهُ مِنْ الْوَاجِبَاتِ فَإِذَا تَعَذَّرَ ذَلِكَ سَقَطَ لِلْحَاجَةِ؛ كَمَا سَقَطَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ لِلْحَاجَةِ فِي مِثْلِ صَلَاةِ الْخَوْفِ مُحَافَظَةً عَلَى الْجَمَاعَةِ. وَطُرِدَ ذَلِكَ إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يُصَلِّيَ مَعَ الْجَمَاعَةِ إلَّا قُدَّامَ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي هُنَا لِأَجْلِ الْحَاجَةِ أَمَامَهُ وَهُوَ قَوْلُ طَوَائِفَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَإِنْ كَانُوا لَا يُجَوِّزُونَ التَّقَدُّمَ عَلَى الْإِمَامِ إذَا أَمْكَنَ تَرْكُ التَّقَدُّمِ عَلَيْهِ. وَفِي الْجُمْلَةِ: فَلَيْسَتْ الْمُصَافَّةُ أَوْجَبَ مِنْ غَيْرِهَا فَإِذَا سَقَطَ غَيْرُهَا لِلْعُذْرِ فِي الْجَمَاعَةِ فَهِيَ أَوْلَى بِالسُّقُوطِ. وَمِنْ الْأُصُولِ الْكُلِّيَّةِ أَنْ الْمَعْجُوزَ عَنْهُ فِي الشَّرْعِ سَاقِطُ الْوُجُوبِ وَأَنَّ الْمُضْطَرَّ إلَيْهِ بِلَا مَعْصِيَةٍ غَيْرُ مَحْظُورٍ فَلَمْ يُوجِبْ اللَّهُ مَا يَعْجِزُ عَنْهُ الْعَبْدُ وَلَمْ يُحَرِّمْ مَا يُضْطَرُّ إلَيْهِ الْعَبْدُ". انتهى من "مجموع الفتاوى" (20/559)
وقال رحمه الله : "وَنَظِيرُ ذَلِكَ أَنْ لَا يَجِدَ الرَّجُلُ مَوْقِفًا إلَّا خَلْفَ الصَّفِّ فَهَذَا فِيهِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْمُبْطِلِينَ لِصَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ والأظَهَرَ صِحَّةُ صَلَاتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِأَنَّ جَمِيعَ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ تَسْقُطُ بِالْعَجْزِ. وَطَرْدُ هَذَا صِحَّةُ صَلَاةِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى الْإِمَامِ لِلْحَاجَةِ كَقَوْلِ طَائِفَةٍ وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد." انتهى من "مجموع الفتاوى" (23/ 396).
فالراجح أن من صلى خلف الصف منفرداً لأن الصف مكتمل فلا شيء عليه وصلاته صحيحة.
خامسا:
الذي يظهر جواز صلاة الجماعة مع وجود مسافات بين المصلين إذا كان هذا مما يساعد في الوقاية من الإصابة بالعدوى ويحد من تناقل وانتشار الوباء بإذن الله، فأما على مذهب جمهور العلماء الذين يرون أن سد الفرج مستحب في الصلاة وليس واجبا فالأمر ظاهر.
وأما على القول بالوجوب فتصح أيضا ولا يختلف الحكم وذلك لوجوه:
الوجه الأول:
أن الاصطفاف واجب عند الإمام ابن تيمية ولا تصح الصلاة إلا به، ومع ذلك جوَّز صلاة المنفرد خلف الصف إذا لم يجد مكانا في الصف، وجعل هذا خيرا من تركه الجماعة. فمسألتنا تقاس عليه، بل أولى. يقول رحمه الله:
" فَلَوْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُصَافُّهُ وَلَمْ يَجْذِبْ أَحَدًا يُصَلِّي مَعَهُ صَلَّى وَحْدَهُ خَلْفَ الصَّفِّ وَلَمْ يَدَعْ الْجَمَاعَةَ كَمَا أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا لَمْ تَجِدْ امْرَأَةً تُصَافُّهَا فَإِنَّهَا تَقِفُ وَحْدَهَا خَلْفَ الصَّفِّ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ. وَهُوَ إنَّمَا أُمِرَ بِالْمُصَافَّةِ مَعَ الْإِمْكَانِ لَا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْمُصَافَّةِ". انتهى من "مجموع الفتاوى"(23/406).
الوجه الثاني:
أنه يقاس على جميع واجبات الصلاة وشروطها وأركانها فإنها تسقط بالعجز عنها، كالطهارة واستقبال القبلة وستر العورة .. إلخ وهذه كلها أوجب من التراص. يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله:
" وَإِذَا كَانَ الْقِيَامُ وَالْقِرَاءَةُ وَإِتْمَامُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ يَسْقُطُ بِالْعَجْزِ فَكَذَلِكَ الِاصْطِفَافُ وَتَرْكُ التَّقَدُّمِ. وَطَرَدَ هَذَا بَقِيَّةَ مَسَائِلِ الصُّفُوفِ كَمَسْأَلَةِ مَنْ صَلَّى وَلَمْ يَرَ الْإِمَامَ وَلَا مَنْ وَرَاءَهُ مَعَ سَمَاعِهِ لِلتَّكْبِيرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ" انتهى من "مجموع الفتاوى" (23/ 396).
الوجه الثالث:
أن جميع مسائل الصفوف تسقط عند العذر كما أصَّل ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في نصه المنقول آنفا.
ومن مسائل الصفوف: التراص فيها، بل هو أهون وأخف حكما من الانفراد خلف الصف، فإن الثاني فيه حديثان ببطلان الصلاة به، بخلاف الأول فليس فيه إلا الأمر فقط، ولذلك اختار الشيخ ابن عثيمين صحة الصلاة مع وجود فرجات بين المصلين – مع اختياره وجوب التراص- وإبطال الصلاة بالانفراد خلف الصف، وكلامه منقول فيما سبق، وهذا يدل على أن عدم التراص أهون من الانفراد.
الوجه الرابع:
أنه قد يقاس على مسألة جواز الصلاة قدام الإمام وهو اختار شيخ الإسلام فالجميع قد وقف في مكان لا يجوز له الوقوف فيه حال الاختيار، يقول رحمه الله: " وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ الْجَمَاعَةَ تُفْعَلُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ فَإِذَا كَانَ الْمَأْمُومُ لَا يُمْكِنُهُ الِائْتِمَامُ بِإِمَامِهِ إلَّا قُدَّامَهُ كَانَ غَايَةُ مَا فِي هَذَا أَنَّهُ قَدْ تَرَكَ الْمَوْقِفَ لِأَجْلِ الْجَمَاعَةِ وَهَذَا أَخَفُّ مِنْ غَيْرِهِ" انتهى من "مجموع الفتاوى" (23/406) 
الوجه الخامس:
ذكر العلماء أن المصلي إذا كان مريضا، فلو صلى مع الجماعة صلى جالسا، ولو صلى منفردا في البيت صلى قائما، فالحنابلة يخيرونه؛ لأنه في الحالين قد ترك واجبا.
والقول الثاني أنه يصلي في البيت لأن فرض القيام أهم.
والقول الثالث وهو الذي مال إليه الشيخ ابن عثيمين: أنه يجب عليه حضور الجماعة من المسجد، ويصلي جالسا إن لم يستطع. ينظر: "الشرح الممتع على زاد المستقنع" (4/ 339)
فمسألتنا كذلك، بل أولى؛ لأن الكلام الآن ليس عن مصلٍ واحد، لا تتعطل به المساجد، بل الكلام عن إغلاق المساجد وتعطيلها، فلا شك أن الصلاة في المسجد مع نوع إخلال بها لعذر خير من تعطيل الجماعة مطلقًا.
الوجه السادس:
أنه جاءت السنة بالجمع عند المطر، وسبب ذلك حتى لا تتعطل المساجد عن صلاة الجماعة، لأنه من الممكن أن يصلي كل رجل جماعة بأهل بيته، ولكن إقامة الجماعة في المساجد لها شأن في الشريعة، فكان الجمع من أجل تحصيلها خير من الصلاة في وقتها بلا جمع مع تعطيل المساجد وإغلاقها.
الوجه السابع:
أنه يمكن أن تخرج المسألة تخريجا ظاهرا على كلام شيخ الإسلام فإنه رجح أن الاصطفاف أهم من سد الفرج كما جاء في الاختيارات:
"لو حضر اثنان وفي الصف فرجة فأيهما أفضل: وقوفهما جميعا أو سد أحدهما الفرجة وينفرد الآخر؟ رجح أبو العباس الاصطفاف مع بقاء الفرجة لأن سد الفرجة مستحب والاصطفاف واجب" انتهى من "الفتاوى الكبرى" لابن تيمية (5/ 348)
فإذا أجاز بقاء الفرجة لأجل الاصطفاف، مع تجويزه صلاة المنفرد خلف الصف لعذر فهذا يدل على أن ترك الفرجة عنده أخف، ومسألتنا أقرب إلى ترك الفرجة فتجوز عند الحاجة.
والحاصل
أن الذي يظهر جواز صلاة الجماعة في المساجد مع وجود مسافات بين المصلين في الصف خوفا من انتشار العدوى والوباء، وأنه أفضل من إغلاق المساجد، فترك التراص هنا لعذر، وله نظائر في الشرع من الواجبات والشروط والأركان التي تترك للعذر مع كونها أشد منه.
وقد سئل الشيخ عبدالرحمن البراك حفظه الله :
عندما نُصلِّي في البيتِ صلاةَ الجماعةِ نتركُ الفراغَ بين الصُّفوفِ خوفًا مِن انتقالِ عدوى وباءِ "كورونا" بينَنا، فهل هذا يجوزُ؟
فأجاب : الحمدُ للهِ، وصلَّى الله وسلَّمَ على نبيِّنا محمَّدٍ، أمَّا بعد :
فتجوزُ المباعدةُ بينَ الصُّفوفِ في صلاةِ الجماعةِ لسببٍ يقتضيه؛ لأنَّ اتِّصالَ الصُّفوفِ ليسَ بواجبٍ، بل الواجبُ تسويةُ الصُّفوفِ والتَّراصُّ فيها، لكنَّ التَّراصَّ إذا كانَ يُخشى منه انتقالُ العدوى في مثلِ هذه الأحوال؛ فلا حرجَ في تركهِ إنْ شاءَ اللهُ. والله أعلمُ.

 

[أملاه : عبدالرَّحمن بن ناصر البرَّاك في 21 شعبان 1441 هـ]
 

التعليقات


`

اتصل بنا

الفرع الرئيسي

السعودية - الرياض

info@daleelalmasjed.com

رؤيتنا : إمام مسجد فاعل ومؤثر

رسالتنا: نقدم برامج تربوية تعيد للمسجد دوره الحقيقي وتسهم في رفع أداء أئمة المساجد حول العالم وتطويرهم ليقوموا بدورهم الريادي في تعليم الناس ودعوتهم على منهج أهل السنة والجماعة وفق خطة منهجية وأساليب مبتكرة.