وفاة الشيخ تقي الدين ابن تيمية

  قال الشيخ علم الدين البرزالي في " تاريخه " :

وفي ليلة الاثنين العشرين من ذي القعدة توفي الشيخ الإمام العلامة الفقيه الحافظ القدوة، شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن شيخنا الإمام العلامة المفتي شهاب الدين أبي المحاسن عبد الحليم بن الشيخ الإمام شيخ الإسلام مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم، ابن تيمية الحراني ثم الدمشقي، بقلعة دمشق بالقاعة التي كان محبوسا فيها.
وحضر جمع كثير إلى الغاية إلى القلعة، فأذن لهم في الدخول عليه ، وجلس جماعة عنده قبل الغسل، وقرءوا القرآن، ثم انصرفوا ، وحضر جماعة من النساء ففعلوا مثل ذلك ثم انصرفوا ، واقتصر على من يغسله.
فلما فرغ من ذلك أخرج وقد اجتمع الناس بالقلعة والطريق إلى الجامع ، وامتلأ الجامع وصحنه ، والكلاسة ، وباب البريد ، وباب الساعات ، إلى اللبادين والفوارة ، وحضرت الجنازة في الساعة الرابعة من النهار أو نحو ذلك ، ووضعت في الجامع والجند يحفظونها من الناس من شدة الزحام ، وصلي عليه أولا بالقلعة ، تقدم في الصلاة عليه الشيخ محمد بن تمام ، ثم صلي عليه بجامع دمشق عقيب صلاة الظهر ، وحمل من باب البريد ، واشتد الزحام ، وصار النعش على الرءوس ، تارة يتقدم وتارة يتأخر ، وخرج الناس من الجامع من أبوابه كلها من شدة الزحام ، وكان المعظم من الأبواب الأربعة باب الفرج الذي أخرجت منه الجنازة ، وباب الفراديس ، وباب النصر ، وباب الجابية ، وعظم الأمر بسوق الخيل ، وتقدم للصلاة عليه هناك أخوه زين الدين عبد الرحمن ، وحمل إلى مقبرة الصوفية ، فدفن إلى جانب أخيه شرف الدين عبد الله ، رحمهما الله .
وكان دفنه وقت العصر أو قبلها بيسير ، وغلق الناس حوانيتهم ، ولم يتخلف عن الحضور إلا القليل من الناس أو من عجز لأجل الزحام ، وحضرها نساء كثير بحيث حزرن بخمسة عشر ألفا ، وأما الرجال فحزروا بستين ألفا وأكثر إلى مائتي ألف، وحصل في الجنازة ضجيج وبكاء وتضرع ، وختمت له ختمات كثيرة بالصالحية والبلد، وتردد الناس إلى قبره أياما كثيرة ليلا ونهارا ، ورئيت له منامات كثيرة صالحة، ورثاه جماعة بقصائد جمة .
وكان مولده يوم الاثنين عاشر ربيع الأول بحران سنة إحدى وستين وستمائة ، وقدم مع والده وأهله إلى دمشق وهو صغير ، فسمع الحديث من ابن عبد الدائم ، وابن أبي اليسر، وابن عبد ، والشيخ شمس الدين الحنبلي ، والقاضي شمس الدين بن عطاء الحنفي ، والشيخ جمال الدين بن الصيرفي، ومجد الدين بن عساكر ، والشيخ جمال الدين البغدادي ، والنجيب بن المقداد ، وابن أبي الخير ، وابن علان ، وابن أبي بكر الهروي ، والكمال عبد الرحيم ، والفخر علي ، وابن شيبان ، والشرف بن القواس ، وزينب بنت مكي ، وخلق كثير ، وقرأ بنفسه الكثير ، وطلب الحديث ، وكتب الطباق والأثبات ، ولازم السماع بنفسه مدة سنين ، ثم اشتغل بالعلوم .
 وكان ذكيا كثير المحفوظ ، فصار إماما في التفسير وما يتعلق به ، عارفا بالفقه واختلاف العلماء ، والنحو واللغة ، وغير ذلك من العلوم النقلية والعقلية ، وما تكلم معه فاضل في فن من الفنون العلمية إلا ظن أن ذلك الفن فنه ، ورآه عارفا به متقنا له ، وأما الحديث فكان حافظا له متنا وإسنادا ، مميزا بين صحيحه وسقيمه ، عارفا برجاله متضلعا من ذلك ، وله تصانيف كثيرة وتعاليق مفيدة في الأصول والفروع ، كمل منها جملة وبيضت وكتبت عنه ، وجملة كبيرة لم يكملها ، وجملة كملها ولكن لم تبيض.
وأثنى عليه وعلى فضائله جماعة من علماء عصره ، مثل القاضي الخويي ، وابن دقيق العيد ، وابن النحاس ، وابن الزملكاني ، وغيرهم .
ووجدت بخط ابن الزملكاني أنه اجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها ، وأن له اليد الطولى في حسن التصنيف ، وجودة العبارة ، والترتيب والتقسيم والتبيين ، وكتب على مصنف له هذه الأبيات :
ماذا يقول الواصفون له وصفاته جلت عن الحصر     هو حجة لله قاهرة
هو بيننا أعجوبة الدهر     هو آية في الخلق ظاهرة
أنوارها أربت على الفجر
وبالجملة كان يوما مشهودا لم يعهد مثله بدمشق ، اللهم إلا أن يكون في زمن بني أمية حين كان الناس بها كثيرا جدا ، ثم دفن عند أخيه قريبا من أذان العصر ، ولم يتخلف من الناس إلا القليل من الضعفاء ، وما علمت أحدا من أهل العلم تخلف عن الحضور في جنازته إلا النفر اليسير، وتردد شيخنا الإمام العلامة برهان الدين الفزاري إلى المقبرة في الأيام الثلاثة وكل يوم بكرة النهار ، ويعود وهو راكب على حماره ، وعليه الجلالة والوقار ، رحمه الله تعالى.

التعليقات


`

اتصل بنا

الفرع الرئيسي

السعودية - الرياض

info.msjed@gmail.com

رؤيتنا : إمام مسجد فاعل ومؤثر

رسالتنا: نقدم برامج تربوية تعيد للمسجد دوره الحقيقي وتسهم في رفع أداء أئمة المساجد حول العالم وتطويرهم ليقوموا بدورهم الريادي في تعليم الناس ودعوتهم على منهج أهل السنة والجماعة وفق خطة منهجية وأساليب مبتكرة.