قصة معركة القادسية

كانت في رمضان سنة خمسة عشر للهجرة 

قائد جيش المسلمين: سعد بن أبي وقاص، ومعه أكثر من ثلاثين ألف مقاتل.

قائد جيش الفرس: رستم جاذويه في مائة وعشرين ألفًا، ويصل عددهم مع خدمهم وتابعيهم إلى مائتي ألف، ومعهم ثلاثة وثلاثون فيلًا، منهم فيل سابور الأبيض.

 
ما قبل المعركة:
بعد هزيمة الفرس في معركة البويب، استاء أهل فارس من قادتهم واتَّهموهم بأنهم الذين أوصلوهم إلى هذه النَّتيجة بسبب اختلافهم وتفرُّقهم، فاجتمع قادتهم وبحثوا عن ملك من سلالة كسرى يدير البلادَ، فتوصَّلوا إلى يزدجرد بن شهريار بن كسرى، ونصَّبوه مَلِكًا وهو ابن إحدى وعشرين سنة، واجتمعوا عليه، وتبارى القادة والرؤساء في طاعته، واطمأنَّت فارس، وعَيَّن يزدجرد القادة ووزَّعهم على الثغور، ونقض أهل السواد صُلْحَهم مع المسلمين خوفًا من الفرس ورهبة، وكتب المثنَّى إلى عمر يُخبِره بذلك، فكتب عمر إلى المثنى:
"أمَّا بعد، فاخرجوا من ظهر العجم وتفرَّقوا في المياه التي تلي الأعاجم على حدود أرضكم وأرضهم، ولا تدعوا أحدًا من أهل النجدات ولا فارسًا إلا اجتلبتموه، احملوا العرب على الجد إذا جد العجم فلتلقوا جدهم بجدكم".
فانسحب المثنَّى ونزل في مكان يقال له: ذو قار، ونزل الناس على شكل مسالح يُغيث بعضهم بعضًا، متناثرين إلى قريب من البصرة، ويجتمعون إذا دعت الحاجة، ونادى النَّفير، وكان ذلك في ذي القعدة سنة 13هـ.
وفي سنة 14هـ من أول المحرم عسكر عمرُ بن الخطاب خارج المدينة يريد الغزوَ، فاجتمع إليه الناس، لكن عبدالرحمن بن عوف أشار عليه بعدم الخروج وأن يولي على الجيش سعد بن أبي وقاص، وكان سعد على صدقات هوازن، فبعث إليه عمر وولَّاه قيادة الجيش في العراق، وسيَّره في أربعة آلاف، وأرسل إلى المثنَّى لكي يَنضمَّ إليه، والحقيقة أنَّ سعد بن أبي وقاص قد تولَّى قيادة جيش المسلمين في ظروف اشتدَّ فيها أهل فارس، ووحَّدوا جهودَهم ضد المسلمين، وحرَّكوا أهلَ السواد ضدهم، فكأن الفتح السابق لم يكن، ومع ذلك فقد استفاد سعد ممَّن سبقوه من القادة؛ خالد بن الوليد وأبي عبيدة والمثنَّى؛ لأنَّ انتصاراتهم السابقة أضعفتِ الفرسَ وأخافتهم رغم تظاهُرهم بالجَلَد، كما أنها نقصَت كثيرًا من جيشهم، ففقدوا ما لا يَقِل عن مائة وخمسين ألف مقاتل إن لم يكن أكثر، وهذا الحشد الفارسي الكبير كان بمثابة الصحوة قبل الموت في معركة فاصلة، ولم يَعُد في مقدور الفرس إن هُزموا أن يحشدوا مِثلَ هذا الجيش لا كمًّا ولا نوعًا؛ فالمعركة مصيرية، والآمال مُتعلِّقة بنتيجتها.
واجتمع لسعد في القادسية أكثر من ثلاثين ألف مقاتل، وترك المثنَّى لسعد وصية من قائد مُجرِّب خبَر المعارك ضد الفرس لكي يستفيد من تجاربه أيضًا؛ لأن المثنى قد توفِّي قبل وصول سعد على إثر جراحاته البليغة، أمَّا عمر بن الخطاب، فقد قدَّر حجم المعركة، وعرَف أنها بحاجة إلى المزيد من الحشد، فأمر بالسماح لأهل الردَّة الذين تابوا بالمشاركة في هذه المعركة، وقد مُنعوا من قبل من المشاركة في الفتوحات؛ كما قال قولته المشهورة: والله لأضربنَّ ملوك العجم بملوك العرب، فلم يدع رئيسًا ولا ذا رأي أو شرف ولا خطيبًا ولا شاعرًا، إلَّا رمى بهم في المعركة، فكان كل من يريد الجهادَ يُوجِّهه للعراق؛ لذا كان المدد يأتي إلى سعد أرسالًا أرسالًا.
ولما نزل سعد بالقادسية، أتاه كتاب عمر - وكان عمر لا يَهدأ بالكتب ليبقى على صِلة بالمعركة وأخبار الجيش - فقال: صِفْ لي موقعك صفةً كأنِّي أنظر إليه، واجعلني من أمركم على الجلية، فوصف له سعد منزلَه بالقادسية، كما وصف له جيش الفرس وقائدهم، وذكر له أهل السواد ونقضهم ما كان مع المسلمين، فردَّ عليه عمر بكتاب يثبِّته فيه فقال: "فإن منحك الله أدبارهم، فلا تنزع عنهم حتى تقتحم عليهم المدائن؛ فإنَّه خرابها إن شاء الله"، وهكذا كان هذا القرار الخطير مضمونًا بالنصر عليهم في هذه المعركة والثِّقة بذلك رغم فارق الجيشين، ورغم ما يبدو من هول المعركة المنتظرة، ومضمونًا أيضًا القضاء على دولة الفرس نهائيًّا، وألا يُمهِلهم للاستعداد ثانية.
 
أعداد المقاتلين من الطرفين:
قُدِّر عدد جيش المسلمين بأكثر من ثلاثين ألفًا، وجيش الفرس بأكثر من مائة وعشرين ألفًا ما عدا متبوعيهم، ومَن ذكَر أرقامًا أقلَّ من هذا، فهو لم يتصوَّر ضخامة المعركة وأهميَّتها، فهي معركة فاصلة، ولو كانت في حدود سبعة آلاف أو عشرة للمسلمين وخمسة أضعافهم للفرس، لما كانت تزيد عن أية معركة من المعارك التي سبقتها؛ كالبويب والجسر وأليس والمذار، فقد وضع فيها كلا الطرفين كلَّ ما أمكن من حَشْدٍ وطاقة؛ فعمر بن الخطاب كان يريد أن يأتي على رأسها، وكذلك ملك الفرس أراد أن يقودها بنفسه، لولا أن كفاه رستم هذا وتَعهَّد له بالنَّصر؛ فقد استعان رستم بكلِّ قائد مُجرِّب، فاستدعى مرزبان الباب والبندوان والجالينوس... وهذا الاهتمام الكبير من الطرفين يجعلنا نُرجِّح الأرقامَ الكبيرة لعدد الجيوش، والتي اخترناها في المقدمة.
وقدَّم رستم أمامه الجالينوس، فكان يأمره فينتقل مرحلة ثمَّ يسير خلفه، وهكذا كان يتقدَّم بحذر، فكانت مدَّة خروجه إلى أن لقي سعدًا أربعة أشهر، وهدفه من ذلك أن يملَّ المسلمون من اللقاء ثم ينصرفوا..
وأرسل إلى سعد أن يرسل إليه مَن يفاوضه، فأرسل إليه على عدة مرات مفاوضين؛ منهم ربعي بن عامر والمغيرة بن شعبة وغيرهما، وكان كلَّما ذهب إليه مَن يفاوضه لا يُسمعه إلا قولًا واحدًا: الإسلام، أو الجزية، أو القتال.
وكان رستم يحاول أن يغريهم بالمال ليرجعوا، وأن تحسن فارس علاقاتها مع العرب، وهم يحلمون بماضيهم المتغطرس على العرب، فكان الجواب من المسلمين دومًا: الإسلام، أو الجزية، أو القتال.
ولما كان لا بد من الحرب، أرسل إلى سعد يقول: إمَّا أن تَعبر إلينا أو نعبر إليكم، فقال سعد: بل اعبروا إلينا، ثمَّ طلبوا منه التنحِّي عن القنطرة ليعبروا، فلم يوافِق وقال: هذا شيء غلبناكم عليه، فلن نرده عليكم، ثم تكلَّفوا معبرًا آخر غير القناطر، فعبروا ونزلوا ضفة العتيق (أحد فروع الفرات)، واستعمل يزدجرد رجالًا يُخبِرونه عن تحركات رستم ومنازله ومصافِّه وقتاله مع المسلمين؛ حيث يقول الأول فيسمع الثاني فالثالث... إلى باب إيوان يزدجرد، وهذا ليقف على أخبارهم أولًا بأول.
 
اليوم الأول: يوم أرماث الاثنين في المحرم 14هـ:
وأقام سعد في القصر وأمامه الجيش على مصافِّه عليه قادته، وكان سعد قد أُصيب بالدمل، فلا يستطيع القعود ولا الركوب، وهو على صدره، تحته وسادة يلقي بالرقاع فيها أمره ونهيه، يبلغ ذلك إلى خالد بن عُرطفة، وهو يُبلِّغها إلى الأجناد.
وبدأت المعركة باختطاف عدد من جنود الفرس وقتلهم، ثم كبَّر سعد وتلاحم الجيشان، وتقدَّم نحو بجيلة (قبيلة) ستة عشر فيلًا، فنفرت خيلهم وكادوا أن يهلكوا بمَن معهم، فأرسل سعد إلى بني أسد أنْ ساعدوا بجيلة، فخرج طليحة وقوم من بني أسد في كتائبهم إلى الفيلة فردوها، وإن على كل فيل عشرين رجلًا، ولما رأى ذو الحاجب وقوف أسد كثَّف الهجوم عليهم وقصدهم من دون العرب، فكانوا في محنة، وكبَّر سعد الرابعة فزحف بقية جند المسلمين، ونادى سعد عاصم بن عمرو وقال له: اكفِني شرَّ الفيلة، فأمر عاصم رجالَه أن يستدبروا الفيلةَ ويقطعوا السيور التي تَحمل التوابيت ثمَّ ليرموا من فوقها، ففعلوا وحسرت الفيلة، وقتل مَن عليها من الجند، ثمَّ تحاجز الناس في الليل، وأصيب من قبيلة أسد خمسمائة، وكانوا هم الدريئة للمسلمين في هذا اليوم؛ حيث تلقوا الصَّدمة الأولى عن غيرهم واحتووا هجومَ الفرس.
 
اليوم الثاني: يوم أغواث:
ووصل مَدَد من الشام، وهم الذين كانوا مع خالد، فعادوا بِناء على أوامر عمر بن الخطَّاب، وفيهم القعقاع بن عمرو وهاشم بن عتبة، وكانوا في ستة آلاف مقاتل، وكان وصول القعقاع في صبيحة يوم أغواث، وخرج القعقاع من فوره ونادى للمبارزة، وخرج له ذو الحاجب بهمن جاذويه، فأخرج له البيرزان والبندوان، فخرج مع القعقاع الحارث بن ظبيان فبارزاهما وقتلاهما، ونشط المسلمون واقتتل الجيشان حتى المساء، وكانت الغَلَبة للمسلمين في هذا اليوم، ولم يقاتل الفرس بالفيلة هذا اليوم لتكسُّر توابيتها في اليوم الأول؛ حيث لم يتمكَّنوا من إصلاحها؛ لذلك خرجت من المعركة، وقاتل المسلمون بمعنويات كبيرة في غيابها.
 
اليوم الثالث: يوم عِماس:
وفي هذا اليوم جهَّز الفرسُ الفيلةَ، وصدَموا بها المسلمين، وتَطوَّع القعقاع بن عمرو وعاصم، فشدُّوا مع جماعتهم على الفيل الأبيض - وهو أكبرها، ويُسمَّى فيل سابور - وفقؤوا عينيه بالرِّماح، ثمَّ قطعوا خُرطومَه، وشدَّ آخرون من بني أسد على الفيل الأجرب، وفعلوا فيه مِثْل فِعْل القعقاع وعاصم، فارتدَّ الفيلان على جيش الفرس، وتَبِعهما بقيَّة الفيلة، فعبروا العقيق، هربًا بمن على ظهورها من الجنود، واستمرَّ القتال شديدًا طيلة هذا اليوم، ثمَّ تواصَل حتى الليل فسُمِّيت هذا الليلة ليلة الهرير، وكانت شديدة على الطرفين، وانقطعت الأصوات إلا من صوت السلاح، وفُقِد الاتصال مع القيادة، فلا سعد يعلم ما جرى للمسلمين، ولا رستم يعلم ما جرى للفُرس، وعند الصباح انتهى الناس، وكانت الغَلَبة للمسلمين، وسُمِّيت بهذا الاسم؛ لأن الجميع فقدوا النُّطقَ، وكان كلامهم الهرير.
 
اليوم الرابع: يوم القادسية:
وهذا اليوم كان صبيحة ليلة الهرير؛ حيث استمرَّ القتال في الصباح، وقال القعقاع: اصبروا؛ فإن صبرتم ساعة كان النصر لكم بإذن الله، وخالَط المسلمون الفرسَ وجالدوهم، وما ارتفع قائم الظهيرة حتى انفرج القلب، وتوغَّل فيه المسلمون، وهبَّت عاصفةٌ فقلعتْ خيمةَ رستم عن سريره وحملتها للعقيق (النهر)، وانتهى القعقاع ومن معه إلى السرير وتنحَّى رستم، فاختبأ بين بغال محمَّلة بالأموال، ووصَل إليه هلال بن علقمة فقطع حملًا، فسقط فوق رستم، وكسر فقارًا من ظهره، فهرب وألقى بنفسه في الماء فتَبِعه هلال فجذبه من رجله، وأخرجه للشط وقتلَه ثم صعد سريرَه، وقال: قتلتُ رستم وربِّ الكعبة، وكبَّر المسلمون، وهرب الفرس يريدون العبورَ، وسقط المقترِنون بالحديد في النَّهر والمسلمون يطعنون بالرِّماح، ونادى سعد جنودَه لاتباعهم والإجهاز عليهم حسَب تعليمات عمر، وألَّا يُفلِت منهم أحد، وطاردوهم حتى آخر اليوم في البوادي والقرى.
 
استشهد من المسلمين زهاء ثمانية آلاف وخمسمائة مُقاتِل، وقُتِل من جنود الفرس ما يزيد على خمسين ألفًا، وشُرِّد جيشهم، فلم يَصِل منهم إلى المدائن إلا القليل.

التعليقات


`

اتصل بنا

الفرع الرئيسي

السعودية - الرياض

info.msjed@gmail.com

رؤيتنا : إمام مسجد فاعل ومؤثر

رسالتنا: نقدم برامج تربوية تعيد للمسجد دوره الحقيقي وتسهم في رفع أداء أئمة المساجد حول العالم وتطويرهم ليقوموا بدورهم الريادي في تعليم الناس ودعوتهم على منهج أهل السنة والجماعة وفق خطة منهجية وأساليب مبتكرة.