الإقناع والتأثير

 

تعريف الإقناع والتأثير :
أولا : تعريف الإقناع :
يرى ابن فارس في معجم مقاييس اللغة أن الثلاثي ( قنع ) له أصلان صحيحان وثالث شاذ  على النحو الآتي :
الأول : الإقبال على الشيء وهو الإقناع .
الثاني :  يدل على استدارة في شيء، وهو القِنْع - بكسر القاف وسكون النون - والقناع   .
والثالث : -  ويرى أنه شذ عن الأصل - ( الإقناع ) بمعنى ارتفاع الشيء، ليس فيه تصوب .([1])
أو كما في لسان العرب : " رفع الرأس في اعوجاج"([2]) .
وقريب منه  "  رفع الرأس والنظر في ذل وخشوع  "([3]).
ولا شك أن المعنى الألصق بفكرة هذا البحث هو ما يدور في فلك المعنى الأول , مما يجعلنا نوجه النظر إليه دون غيره .
وهذا الأصل في معنى هذه الكلمة له عدد من الاستعمالات اللغوية منها :
1-     " الإقناع  : مد البعير رأسه إلى الماء ليشرب قال يصف ناقة  :
تقنع للجدول منها جدولا  :  شبه حلق الناقة وفاها بالجدول تستقبل به جدولا في الشرب  "([4]).
2-     " الإقناع : الإقبال بالوجه على الشيء، يقال: أقنع له يقنع إقناعاً .
3-     ومد اليد عند الدعاء ,وسمي بذلك عند إقباله على الجهة التي يده إليها .
4-     والإقناع : إمالة الماء للماء المنحدر "([5]).
5-     " والقانع : السائل , وسمي قانعاً لإقباله على من يسأله "([6]) " ويجوز أن يكون السائل سمي قانعاً لأنه يرضى بما يعطى قل أو كثر، ويقبله ولا يرده " ([7]).
6-     و" القناعة : الرضا بالقسم، وبابه سلم فهو قنع و قنوع، وأقنعه الشيء أي أرضاه "([8])  و"  قنعت به قنعاً من باب تعب وقناعة : رضيت وهو قنع ,   وقنوع , ويتعدى بالهمزة فيقال: أقنعني "([9])" و " أقنعه الشيء أي : أرضاه"([10]).
ومن الواضح أن الاستعمال الأخير هو الأقرب إلى مفهوم الإقناع المقصود هنا , بيد أننا نجد لابن فارس ملحظاً دقيقاً يزيد فيه على تعريف القناعة بالرضا بأنها سميت كذلك لأن صاحبها يقبل على ما رضيه فهو إقبال برضا، يقول :    " قنع قناعة : إذا رضي وسميت قنـاعة لأنـه يقبـل على الشيء الذي له  راضياً "( [11]) .
كما نجد في المعجم الوسيط تحديداً أكثر لمعنى الاقتناع، بأنه القبول بالفكرة أو الرأي والاطمئنان إليه. وهذا أدق من مجرد الرضا :
 " اقتنع : قنع - بالفكرة أو الرأي – وقبله واطمأن إليه "([12]).
أما في الاصطلاح فنجد من التعريفات للإقناع :
-    أنه " عمليات فكرية و شكلية يحاول فيها أحد الطرفين التأثير على الآخر، و إخضاعه لفكرة ما "([13]) .
-    وأنه "  أي اتصال مكتوب أو شفوي أو سمعي أو بصري يهدف بشكل محدد إلى التأثير على الاتجاهات والاعتقادات أو السلوك. كما أنه القوة التي تستخدم لتجعل شخصاً يقوم بعمل ما عن طريق النصح والحجة والمنطق "([14]) .
ويمكن القول بشكل مبسط وشامل بأنه :
" فعل متعدد الأشكال يسعى لإحداث تأثير أو تغيير معين في الفرد أو الجماعة " .
وقد شمل هذا التعريف ثلاث جمل :
الجملة الأولى : " فعل متعدد الأشكال" : يعني أنه فعل يتم بأكثر من شكل، وإن كانت الفكرة الأساسية أو الأسلوب واحداً .
 فباعتبار الوسيلة بشكل عام هناك الكلام بالحديث أو ما في حكمه من الكتابة أو الإشارة  وهناك الممارسة العملية بالتصرفات والمواقف أو غير ذلك .
وباعتبار الأسلوب يكون بالإقناع بالحجة أو بالتأثير في العاطفة وذلك بالنظر إلى التكوين العقلي والعاطفي للإنسان .([15])
وباعتبار الوضوح يكون مباشراً وغير مباشر.
وباعتبار القائم به يمكن أن يصدر من فرد ويمكن أن يصدر من جماعة.
وباعتبار الغاية يمكن أن تكون سلبية، ويمكن أن تكون إيجابية، والحكم في ذلك مسألة نسبية فقد يحكم طرف بأنها سلبية والطرف الآخر بأنها إيجابية.
 ومدخل التناول والتوسع في هذا البحث هو الاعتبار الثاني مع عدم إهمال باقي الاعتبارات .
الجملة الثانية : " يسعى لإحداث تأثير أو تغيير معين " :
ويعني هذا أن الإقناع يسعى للتأثير في الآخر بشكل عام أو جزئي سواء كان ذلك في الفكر والسلوك أو في أحدهما .
الجملة الثالثة : " في الفرد أو الجماعة " :
 ويعني أن ممارسة الإقناع والتأثير قد يكون موجهاً إلى فرد بعينه كما في الدعوة الفردية وكما بين الزوجين أو الوالدين لأحد أبنائهم أو الطبيب لمريضه , أو تكون موجهة إلى مجموعة تمثل مجتمعاً نوعيّاً كمجتمع التجار ,  أو جنساً – كالرجال أو النساء أو الأطفال – أو أمة ونحو ذلك .
ثانياً : مفهوم التأثير :
أما التأثير فهو أعم من الإقناع إذ هو في اللغة : "  إبقاء الأثر في الشيء . وأثر في الشيء : ترك فيه أثراً "([16]) .
إلا أنه يقرب بدرجة كبيرة من الإقناع إذا تأثر من قصد بالتأثير , قال في المصباح المنير : " أثرت فيه تأثيراً : جعلت فيه أثراً وعلامة ؛ فتأثر أي : قبل وانفعل " ([17]).
وهنا نلاحظ أن القبول أقرب للإقناع لكن الانفعال قد يكون موافقة للمؤثر  وقد يكون بعكسه , وحتى يتضح الأمر بدرجة أكبر نشير في المبحث الآتي إلى أبرز الجوانب في الصلة بين الإقناع والتأثير .
المبحث الثاني : الصلة بين الإقناع والتأثير :
بالنظر إلى الاستقراء اللغوي والاستخدام الواقعي للإقناع والتأثير نلاحظ أن هناك جوانب اشتراك واختلاف بينهما , ويمكن أن نجمل هذه الجوانب فيما  يلي :
أولاً :قد تشترك اللفظتان في المقصود فتكون من باب الترادف , والترادف المقصود هنا هو الترادف النسبي أي الاشتراك الجزئي في المعنى , ذلك أن اللغة يقل بين ألفاظها ترادف بالمعنى الكامل , فلكل لفظة ما تختص به من المعاني وإن اشتركت مع لفظة أو ألفاظ أخرى في حمل بعض المعاني ([18]).
ثانياً : محل الإقناع يكون في الفكر والعاطفة ( القبول , الرضا , الاطمئنان ) أما محل التأثير ففي الغالب يلحظ في السلوك ( الإتيان أو الترك ), فرؤية الأثر في سلوك معين – كالمحافظة على الصلاة مثلاً  - يدل على قناعة بوجوبها وأهميتها،  لكن هذه القناعة قد لا تعرف أو تلحظ بمجرد وجودهـا فكرة في ذهن صاحبها .
ثالثاً : قد يؤدي الإقناع والقناعة إلى التأثير , فاقتناع المدخن بحرمة التدخين وخطره الصحي والاقتصادي قد يكون سبباً في تركه , وهذا ما تهدف إليه الدعوة إلى الإسلام بكل جوانبه العقدية والتشريعية والأخلاقية فليس المقصود العلم والقناعة بصحتها بل مع ذلك تطبيقها والتزامها سلوكاً وواقعاً ترى آثاره وتشهد مظاهره .
رابعاً :قد تحصل قناعة وإقناع بحجج قطعية دون أن يكون لها أثر عملي , مثاله قناعة المدخن بحرمته وخطره الصحي والاقتصادي , مع بقائه عليه , أو يقتنع إنسان بصحة الإسلام وصدق محمد عليه الصلاة والسلام ومع ذلك لا يكون لذلك أثره في دخوله الإسلام .
خامساً :وقد يتسبب التأثر – الانفعال- في حصول قناعة ما ؛ فرؤية حادث سيارة تتسبب في الشعور بأهمية ضبط السرعة والقناعة بضرورة تخفيفها , ورؤية صور الفقراء والبائسين والمشردين, قد تدفع إلى قناعة بأهمية مساعدتهم وعونهم،  وإشراك الناشئة في المناشط الاجتماعية والدعوية يولد قناعة لديهم بأهميتها وقيمتها .
سادساً :قد يحصل تأثير سلوكي بالإتيان أو الترك دون إقناع أو قناعة , مثلا فرض التغيير على الآخر بالإكراه , فقد يترك إنسان ما منكراً لخوفه من العقوبة،  وفي أي فرصة يأمن فيها يأتيه , وهنا تأكيد على أهمية التأثير المرتبط بالإقناع لأنها أبقى وأرسخ حتى لو زالت أو غابت المؤثرات الدافعة أو المانعة .
سابعاً : قد يراد بالتأثير حصول قناعة فيحصل التأثير العكسي للمقصود الأصلي , فالضغط غير المنضبط لإتيان مأمور أو ترك منهي مع عدم سلوك سبل الإقناع في ذلك قد يؤدي إلى عكس المراد , مثاله دفع الطلاب إلى التعليم في المدارس أو غيرها بالضرب والإيذاء قد يؤدي بالطالب إلى الترك والإعراض مع أهمية الأمر وقيمته .
 
د. إبراهيم بن صالح الحميدان
قسم الدعوة والاحتساب – كلية الدعوة والإعلام
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية


([1]) معجم مقاييس اللغة  مادة ( قنع )ص 864 , 865  .
([2]) لسان العرب مادة ( هطع ) 8 / 372 .
([3]) المرجع السابق مادة ( قنع )  8 / 299 .
([4]) العين مادة ( قنع ) 1 / 170 , وانظر : معجم مقاييس اللغة مادة ( قنع ) 864 , ولسان العرب مادة     ( قنع )  8 / 299
([5]) معجم مقاييس اللغة مادة ( قنع ) ص 864.
([6]) معجم مقاييس اللغة مادة ( قنع ) ص 864 .
([7]) مختار الصحاح مادة ( ق ن ع )  1 / 231.
([8]) المرجع السابق 1 / 231 , وانظر لسان العرب مادة ( قنع ) 8 / 297.
([9]) المصباح المنير مادة ( قنع ) 2 / 517.
([10]) مختار الصحاح مادة ( ق ن ع ) 2 / 231 والقاموس المحيط 1 / 978 .
([11]) معجم مقاييس اللغة مادة ( قنع ) ص 864 .
([12]) المعجم الوسيط مادة ( قنع ) 2 / 763 .
([13]) كيف تقنع الآخرين ص 26 .
([14]) الاتصال الاجتماعي ودوره في التفاعل الاجتماعي ص 189 .
([15]) انظر النبأ العظيم نظرات جديدة في القرآن الكريم لدراز ص 113 .
([16]) لسان العرب مادة ( أثر ) 4 / 5  وانظر المصباح المنير  مادة ( أثر ) 1 / 4 ومختار الصحاح  مادة ( أثر ) 1 / 2 والمعجم الوسيط 1 مادة ( أثر ) / 5.
([17]) المصباح المنير مادة ( أثر )  1 / 4.
([18]) انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية 13 / 341 .

التعليقات


`

اتصل بنا

الفرع الرئيسي

السعودية - الرياض

info.msjed@gmail.com

رؤيتنا : إمام مسجد فاعل ومؤثر

رسالتنا: نقدم برامج تربوية تعيد للمسجد دوره الحقيقي وتسهم في رفع أداء أئمة المساجد حول العالم وتطويرهم ليقوموا بدورهم الريادي في تعليم الناس ودعوتهم على منهج أهل السنة والجماعة وفق خطة منهجية وأساليب مبتكرة.