المسجد عند الشعراء

كان المسجد في العهد النبوي منطلق كل النشاطات الدينية والعلمية و الثقافية والاجتماعية؛ بل السياسية والعسكرية والأدبية، فمن بين سواري الحرم النبوي الشريف (السرير، الحرس، الوفود، التوبة، المُخَلَّفة، عائشة) انطلَق الهدي، وانتشرت الفضيلة وعمَّ النورُ الآفاقَ، ومن حلقات هذا الحرم تخرج العلماء من مختلف التخصصات، ومن على أعواد منبره ألقيت القصائد، فقد وضع صلى الله عليه وسلم لحسان منبرًا في المسجد ينشد عليه الشعر، وقد مر عمر بن الخطاب بحسان وهو ينشد الشعر في المسجد، فزجره، فقال له حسان -رضي الله عنه- قد كنت أنشد فيه الشعر لمن هو خير منك وذلك بحضرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم ينكر ذلك عليه منهم أحد، ولا أنكره عليه أيضًا عمر -رضي الله عنه-. (شرح معاني الآثار 4/358، رقم 7317).

كما كان صلى الله عليه وسلم يستشهد في بعض أسفاره من رفيقه شيئًا من أشعار الجاهليين، فقد روى عمرو بن الشريد بن سويد الثقفي -رضي الله عنه- قال: "ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا، فقال: «هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟»، قلت: نعم. قال: «هيه» يعني: أنشدني، فأنشدته بيتًا، فقال: «هيه»، ثم أنشدته بيتًا، فقال: «هيه»؛ حتى أنشدته مئة بيت، وفي رواية مسلم: أنه قال صلى الله عليه وسلم: «فلقد كاد يُسلم في شعره». (صحيح مسلم 4/1776).

وكان جابر بن سمرة -رضي الله عنه- يقول: "شهدت النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من مئة مرة في المسجد وأصحابه يتذاكرون الشعر، وأشياء من أمر الجاهلية، فربما تبسم معهم". (مسند الإمام أحمد 34/436، رقم 20851).

وسأحاول أن أقدم بعض النماذج للشعر الذي قيل في المسجد، مذكرًا أني ترددت في أن أتناول هذا الموضوع لما لحظت من ندرة الشعر في المساجد.

وظيفة المسجد في المجتمع

ومما وقفت عليه في هذا المجال قصيدة لصالح بن ناصر، وهو أكاديمي وشاعر سعودي، توفي 1997م، ومن مؤلفاته: "وظيفة المسجد في المجتمع"؛ حيث عدد فضائل المسجد، وما فيه من حلقات للعلم، وقراءة القرآن، وما يتنزَّل على عمَّاره من رحمات، وما تخرّج من حلقاته من علماء ودعاة وقضاة.

إلهي ومعبودي لك الحمد والرضا

 

على النعمة الكبرى تجلت بأحمد

  ومنها:

منابرها دومًا تبث مواعظًا

 

وتهدي الرشاد والنصيح لمرشد

وتسدي العلوم منتجات جلية

 

لطالب علم شاقه عذب مورد

وحلقاتها روضات جنة ربنا

 

بها الذكر والخير الوفير لورد

تحف بها الأملاك توقًا ولهفة

 

رضا بصنيع من تلاه الممجد

كتاب عظيم ليس يأتيه باطل

 

يصم ويعمي كل غاو وملحد

شفاء لما في الصدر، ذكرٌ لمتقٍ

 

وبشراه رُحماه ونبراس مهتد

فكم جهبذ كم عالم أنجبت لنا

 

تقي نقي بارع ومسود

يعب من العذب الزلال بلهفة

 

ويكرع من صفو النمير المحمدي

هو المنهل الفياض يغذو عقولنا

 

ويروي ظما في النفس ترنو لأمجد

ومنه الدعاة الصادقون توجهوا

 

وبثوا علوم الشرع في كل معهد

ومنه القضاة البارعون تخرجوا

 

وقاموا بفصل في القضايا مسدد

فيقنع مغلوب ويرضى بحكمهم

 

وترفا صدوع البين دون تجدد

أعيدوا بني الإسلام سامق مجدها

 

ورعيا لآداب وحسن تعبد

وقوموا بها كنسا وطهرا ورفعة

 

وصونا لها من عابث متمرد

وعمرا لها بالذكر والرشد والتقى

 

وترتيل قرآن ينجي من الردى

فإن بيوت الله عنوان فخرنا

 

وأمجادنا في سالف الدهر والغد

وصلوا علي خير الأنام نبينا

 

شفيع الورى زاكي النهى والمحامد

(وظيفة المسجد في المجتمع 1/78-79)

الغيرة على الإسلام والحذر من الذلة والهوان

وقال هلال الفارع -وهو إعلامي وكاتب صحفي، وشاعر فلسطيني، له شعر رائع في مختلف الأغراض- قال في إحدى قصائده مستنهضًا همم المسلمين بالتمسك بأسباب عزَّتهم المتمثلة في الغيرة على الإسلام والحذر من الذلة والهوان، وهي قصيدة طويلة اخترت منها هذه الأبيات:

مَسَاجِدَ اللهِ.. نوحي في بَوادينَا

 

وَاسْتَمطِري مِنْ هَوانٍ صَدْحَ.. آمينا

وَأَذْنِي في مَواتٍ ليسَ يوقِظُهُ

 

صَوْتُ الأذانِ، ولا صَمْتُ المُصَلِّينا

وَالصَّمْتُ مَوْتٌ، لذي مَجْدٍ، وذي شَرَفٍ

 

وَحُرمَةٌ، مَنْ أَتَاهَا لا يُوالينا

تَهْفو إليكِ قُلُوبٌ رَجَّها وَلَهٌ

 

لِلَحْظَةٍ مِنْ عَزيزِ البَأْسِ يَأْتينا

المسجد النبوي الشريف

وما أروع قول الشاعر الذي وقف قبالة الحرم يتغنى بفضائل المساجد بشكل عام والحرم النبوي بشكل خاص، ذاكرًا ما يشعر به من سعادة وراحة نفسية، يغمره الشوق والحنين، ودموعه تنهمر، وروحه تصعد، كأنها تروم احتضان من بالحب آواها، فاستمع إليه يبُثُّك معاناته وولهه بالمسجد:

غنى السرور قصيدًا رحتُ أهواه

 

وأسرع الشعر يرعى الشوق مرعاه

وأشرق الفجر بالآذان مبتسمًا

 

وعانق القلبَ نفح ظل يهواه

وبهجة العين ترعى الخطو في وله

 

قد عانقت مسجدًا بالشوق تلقاه

والقلب يهتف بالأشواق مرتحلًا

 

لمسجد المصطفى يحدو مطاياه

نسائم الخير قد عمتني فانهمرت

 

دموع شوق له لما رأيناه

كأنني حين أمضي نحوه عجلًا

 

كعاشق شوقه في الحب أضناه

تيك المآذن بالآذان تأسرني

 

من طولها وبهاء النور يزهاه

كأنها ترتجي في المزن مُخترقًا

 

نحو السماء فما أحلى محيَّاه!

كأنني إن دخلت المسجد ارتفعت

 

روحي لتحضن من بالحب أواه

ثم اصطففتُ بصفٍّ للصلاة فلا

 

شكلٌ يُفضَّل أو لونٌ وأشباه

بل الجميع كأن الطير فوقهمُ

 

من الخضوع وتحويهم جناحاه

رَوحٌ يداعبه روح الأخوة في

 

صفّ تماثل أولاه بأُخراه

نفحٌ يعطره صوت التهامس في

 

ترتيل مصحفنا كالشهد ذقناه

كأن همسهمُ أصوات زقزقة

 

عند الصباح لها صوتٌ عشقناه

ثم الدعاء وما أدراك فيه فلا

 

تسأل عيونيَ عمَّا فاض دمعاه

يا لهف شعري على الأيام أروعها

 

تمضي لتسبيَ قلبًا ذاق سلواه

ها قد وقفتُ على الأعتاب مرتحلًا

 

والنفخ يجذبني واااا لهف شوقاه

ثم ارتحلتُ وكفِّي للمدينة في

 

توديع مسجدها والشوق يغشاه

هذا الرحيل وما أدراك فيه فلا

 

تسأل عيونيَ مما هلّ جفناه!

نزار قباني في المسجد النبوي

وأعجب للشاعر السوري نزار قباني الذي ملأ صيتُ شعره الخافقين، وله دواوين شعرية كأروع ما أنت سامع، وله بعض الشعر في الزندقة والإباحية؛ حتى بلغ لحدّ التطاول على الذات العلية ومَقام الأنبياء، وقد زار نزار قباني المسجد النبوي، في آخر حياته وأنشد قصيدة من روائع شعره، مفعمة بمشاعر الفرح والإيمان، مستشعرًا عِظم ذنوبه، راجيًا الشفاعة من صاحب المقام المحمود، ولا يخفى أن قصيدته مديحية؛ لكني أقحمتها لأكثر بها القليل من ناحية، ولجودتها من ناحية ثانية، ثم إن مَن ذكَر فضائل الرسول صلى الله عليه وسلم -حين تعذَّر شعر في فضائل المسجد- لم يُبعِد النُّجعة ولم يخطئ الهدف، ولعلَّ نزار تداركته رحمة الله فانتشلته العناية الربانية، فلا رادَّ لفضله ولا ممسك لعطائه، وما أدراك أن الله قد قبله وتاب عليه!!!

وهاك قصيدته، ولعلَّ جودتها تشفع لي في إقحامها:

عز الورود.. وطال فيك أوام

 

وأرقت وحدي والأنام نيام

ورد الجميع ومن سناك تزودوا

 

وطردت عن نبع السنا وأقاموا

ومنعت حتى أن أحوم ولم أكد

 

وتقطعت نفسي عليك وحاموا

قصدوك وامتدحوا ودوني أغلقت

 

أبواب مدحك فالحروف عقام

أدنو فأذكر ما جنيت فأنثني

 

خجلًا تضيق بحمليَ الأقدام

أمن الحضيض أريد لمسا للذرى

 

جل المقام فلا يطال مقام!

وزري يكبلني ويخرسني الأسى

 

فيموت في طرف اللسان كلام

يممت نحوك يا حبيب الله في

 

شوق تقُضُّ مضاجعي الآثام

أرجو الوصول فليل عمري غابة

 

أشواكها الأوزار والآلام

يا من ولدت فأشرقت بربوعنا

 

نفحات نورك وانجلى  الإظلام

أأعود ظمآنًا وغيريَ يرتوي

 

أيردُّ عن حوض النبي هيام؟

كيف الدخول إلى رحاب المصطفى

 

والنفس حيرى والذنوب جسام

أو كلما حاولت إلمامًا به

 

أزف البلاء فيصعب الإلمام

ماذا أقول وألف ألف قصيدة

 

عصماء قبلي سَطرَّت أقلام

مدحوك ما بلغوا برغـم ولائهـم

 

أسرار مجـدك... فالدنـوُّ لمـامُ

حتى وقفـتُ أمـام قبـرك باكيـاً

 

فتدفـقَ الإحـسـاس والإلـهـامُ

ودنوت مذهـولا أسيـرا لا أرى

 

حيـران يلجـم شعـري الإلجـام

وتوالت الصور المضيئة كالـرؤى

 

وطوى الفـؤاد سكينـة وسـلام

يا ملء روحي وهج حبك في دمي

 

  قبس يضـيء سريرتـي وزمـامُ

أنت الحبيب وأنت من أروى لنـا

 

حتـى أضـاء قلوبنـا الإٍســلام

حوربت لم تخضع ولم تخش العدى

 

من يحمه الرحمـن كيـف يضـام

وملأت هذا الكون نورا فاختفـت

 

صور الظـلام وقوضـت أصنـام

الحزن يملأ يا حبيـب جوارحـي

 

فالمسلمون عن الطريـق تعامـوا

والـذل خيَّـم فالنفـوس كئيبـة

 

وعلـى الكبـار تطـاول الأقـزام

الحزن أصبـح خبزنـا فمساؤنـا

 

شجـن وطعـم صباحنـا أسقـام

واليـأس ألقـى ظلـه بنفوسنـا

 

فكـأن وجـه النيريـن ظــلام

أنى اتجهت ففي العيون غشـاوة

 

وعلى القلوب من الظـلام ركـام

الكـرب أرقنـا وسهـد ليلـنـا

 

من مَهدهُ الأشـواك كيـف ينـام

يا طيبة الخيرات ذل المسلمـون

 

ولا مجيـر وضيـعـت أحــلام

يغضون إن سلب الغريب ديارهـم

 

وعلى القريب شذى التراب حرام

باتـوا أسـارى حيـرة وتمـزق

 

فكأنهـم بيـن الـورى أغـنـام

ناموا فنام الـذل فـوق جفونهـم

 

لا غرو وضاع الحـزم والإقـدام

ودنوت مذهـولاً أسيـراً لا أرى

 

حيران يلجـم شعـري الإحجـام

وتمزقـت نفسـي كطفـل حائـر

 

قـد عاقـه عمـن يحـب زحـام

يا هادي الثقلين هل مـن دعـوة

 

يُدْعَـى بهـا يستيقـظ الـنُّـوامُ

(دواوين الشعر العربي على مر العصور 57/125، 126)

لقد حاولت جاهدًا أن أجمع صفحات من الشعر الذي قيل في المسجد فعزَّني وجودُ نماذج منه خاصة عند الأقدمين، ولا أدري ما السرِّ في ذلك؟!

ولعلَّ مرد ذلك أن الشعراء حين مُنعوا من إنشاد الشعر في المسجد -إلا ما كان منافحة عن الرسول صلى الله عليه وسلم ورسالته- وجدوا في أنفسهم فقالوا إنا إذ مُنِعنا ترويج سلعتنا داخل المسجد فلن نخصص له مزيد ثناء أو مدح على قاعدة المعاملة بالمثل؛ إذ لا يتأتى في شِرعة الشعراء أن يبذلوا شعرهم دون مقابل:

لا تَطمعوا أن تُهينونا ونكرمَكم  وأن نكفَّ الأذى عنكم وتؤذونا

هذا إذا صدق حدسي في موقف الشعراء فإن لم يصدُق فالمعذرة عن إساءة الظن بهم فإن بعض الظن إثم؛ خاصة أنه يلزم اتقاء ألسنة الشعراء.

 

التعليقات




  • Reply
`

اتصل بنا

الفرع الرئيسي

السعودية - الرياض

info@daleelalmasjed.com

رؤيتنا : إمام مسجد فاعل ومؤثر

رسالتنا: نقدم برامج تربوية تعيد للمسجد دوره الحقيقي وتسهم في رفع أداء أئمة المساجد حول العالم وتطويرهم ليقوموا بدورهم الريادي في تعليم الناس ودعوتهم على منهج أهل السنة والجماعة وفق خطة منهجية وأساليب مبتكرة.