ماذا تفعل في العشر الأواخر؟

كان النبي صلى الله عليه وسلم يخص العشر الأواخر من رمضان بأعمال لا يعملها في بقية الشهر، لما في تلك العشر من الخيرات الوفيرة والأجور الكثيرة والخصائص العظيمة.

الاجتهاد في العبادة

فكما أخبرت عائشة رضي الله عنها: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره)  [رواه مسلم].

فكان صلى الله عليه وسلم يحيي الليل فيها، بالصلاة والدعاء والاستغفار ونحوه، كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها:  (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وجد وشد المئزر).  [متفق عليه].

قال النووي رحمه الله: (اختلف العلماء في معنى شد المئزر؛ فقيل هو الاجتهاد في العبادات زيادة على عادته صلى الله عليه وسلم في غيره، ومعناه التشمير في العبادات يقال شددت لهذا الأمر مئزري أي تشمرت له وتفرغت.

وتقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:  (كان النبي صلى الله عليه وسلم يخلط العشرين بصلاة وصوم ونوم فإذا كان العشر شمر وشد المئزر).رواه أحمد

 يوقظ أهله للعبادة

ومن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر أنه كان يوقظ أهله للصلاة والذكر والدعاء حرصاً منه على اغتنام تلك الليالي المباركة، كما أخبرت به عائشة رضي الله عنها:(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وجد وشد المئزر). [متفق عليه].

ومن هذا الباب كان صلى الله عليه وسلم يطرق باب فاطمة وعلياً ليلاً فيقول لهما: (ألا تقومان فتصليان).  [متفق عليه]

الاعتكاف

ومن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر، الاعتكاف فيها كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها:  (كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً).  [رواه البخاري].

والاعتكاف هو لزوم المسجد للتضرع لطاعة الله عز وجل، وهو من السنن الثابتة بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

كما قال تعالى:  {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}  [البقرة: 187]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:  (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف كل رمضان عشرة أيام وكان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً). [رواه البخاري].

وشرع الله عز وجل الاعتكاف حتى ينقطع المسلم عن كل ما يكون سببا في انشغال القلب عن عبادة الله جل علاه، ولذلك ينبغي للمعتكف أن ينشغل بالذكر والقراءة والصلاة والعبادة وأن يتجنب مالا يعينه من حديث الدنيا.

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: (أنَّ رسولَ الله كانَ يعتكفُ في العشرِ الأوسطِ من رمضانَ، فاعتكفَ عامًا حتَّى إذا كان ليلة إحدى وعشرين - وهي اللَّيلة التي يخرجُ من صبيحتها من اعتكافه- قال: (منْ كانَ اعتكفَ معي فليعتكفْ العشرَ الأواخر، وقدْ أريتُ هذه الليلةَ ثم أنسيتها، وقد رأيتَني أسجدُ في ماءٍ وطينٍ من صبيحتِها، فالتمسوها في العشرِ الأواخرِ، والتمسوها في كلِّ وترٍ).

واعتكافَ النبيِّ محمدٍ صلى الله عليه وسلم هو من قبيلِ إحياءِ السنن القديمةِ التي ترجع إلى ما قبل سيدنا إبراهيم عليه السلام، يلفتُنا إلى ذلك لفتًا شديدًا قولُه تعالى في سورة البقرة: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة : 125].

والاعتكافُ خلوة مشروع تتخلصُ النفسُ فيها من التعلق بحب الدنيا وزخرفها، وتبحرُ الروح ؛ ملتمسةً رضا الرب سبحانه وتعالى، فالاعتكافُ المسنون هو الخلوةُ الصادقةُ مع اللهِ تفكرًا في آلائِه ومننِه وفضائلِه، واعترافًا بربوبيتِه وإلهيتِه وعظمتِه، وإقرارًا بكل حقوقِه، وثناءً عليه بكلِّ جميلٍ ومحمودٍ.

قال الإمام ابن القيم في زاد المعاد:(وشرع لهم الاعتكاف الذي مقصودُه وروحُه عكوفُ القلبِ على الله تعالى، وجمعيَّتُه عليه، والخلوةُ به، والانقطاعُ عن الاشتغال بالخلق والاشتغال به وحده سبحانه، بحيث يصير ذِكره وحبه، والإقبالُ عليه في محل هموم القلب وخطراته، فيستولي عليه بدلَها، ويصير الهمُّ كُلُّه به، والخطراتُ كلُّها بذكره، والتفكُر في تحصيل مراضيه وما يُقرِّب منه، فيصيرُ أُنسه بالله بدَلًا عن أُنسه بالخلق، فيعده بذلك لأنسه به يوم الوَحشة في القبور حين لا أنيس له، ولا ما يفرحُ به سواه، فهذا مقصود الاعتكاف الأعظم).

 تحري ليلة القدر

ومن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر أنه كان يتحرى ليلة القدر التي تقع فيها، والله سبحانه سماها ليلة القدر لعظيم قدرها وشرفها وجلالة مكانتها عنده ولكثرة مغفرة الذنوب، ولأن المقادير تقدر وتكتب فيها.

كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (منْ قامَ ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتسابًا غفرَ لهُ ما تقدمَ من ذنبِه) متفق عليه.

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: دخلَ رمضانُ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ هذا الشهرَ قد حضركم، وفيه ليلةٌ خيرٌ منْ ألفِ شهرٍ من حُرمَها فقدْ حُرم الخيرَ كلَّه ولا يحرمُ خيرَها إلا محرومٌ) رواة ابن ماجه.

فهي ليلةٌ مباركةٌ يكفي بها قدرًا أن الله جل شأنه أنزلَ فيها خيرَ كتبه، وأفضلَ شرائعِ دينه، يقول الله تعالى فيها {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ، سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [سورة القدر1-5].

وهي ليلةٌ عظيمةُ القدرِ، رفيعةُ الشأنِ، من حازَ شرفَها فازَ وغَنِمَ، ومن خسرَها خابَ وحُرِمَ، العبادةُ فيها خيرٌ من عبادةِ ألفِ شهر.

وهي ليلةُ ليست كبقيةِ الليالي، أجرُها عظيم، وفضلُها جليل، المحرومُ من حُرمَ أجرَها ولم ينلْ من خيرِها.

أما عنْ وقتِها وموعدِ ليلةِ القدرِ: فعن أبي سلمةَ رضي الله عنه قال انطلقتُ إلى أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه فقلتُ: ألا تخرجُ بنا إلى النخلِ نتحدثُ فخرجَ فقال قلت: حدثني ما سمعتَ من النبي صلى الله عليه وسلم في ليلةِ القدرِ؟ قال اعتكفَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عشرَ الأولِ من رمضانَ واعتكفنا معه.

فأتاه جبريلُ فقال: إن الذي تطلبُ أمامك، فاعتكف العشرَ الأوسطَ فاعتكفنا معه.

فأتاه جبريلُ فقال: إن الذي تطلبُ أمامك، فقام النبيُّ صلى الله عليه وسلم خطيبًا صبيحةَ عشرين من رمضان فقال: منْ كانَ اعتكفَ مع النبي صلى الله عليه وسلم فليرجعْ فإني أُرِيت ليلةَ القدرِ وإني نُسِّيتُها وإنها في العشرِ الأواخرِ وفي وترٍ وإني رأيتُ كأني أسجدُ في طينٍ وماءٍ.

وكان سقفُ المسجد جريدَ النخل وما نرى في السماء شيئًا فجاءتْ قزعة [وهي: قطعة رقيقة من السحاب] فأمطرنا فصلى بنا النبيُّ صلى الله عليه وسلم حتى رأيتُ أثر الطينِ والماءِ . على جبهةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وأرنبتِه [وهي: طرف أنفه]) رواة البخاري.

وهي ليلةٌ خيرٌ من ألفِ شهرٍ، يكثرُ فيها العفوُ، وتسطرُ فيها أسماء الفائزين بعفوِ الله ورضوانه، وما أحوجنا فيها إلى دعاءِ النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي نصحَ به عائشة رضي الله عنها فقال: (قولي: اللهمَّ إنَّك عفوٌّ تحبُّ العفوَ فاعفُ عنِّي) رواة الترمذي.

التعليقات


`

اتصل بنا

الفرع الرئيسي

السعودية - الرياض

info@daleelalmasjed.com

رؤيتنا : إمام مسجد فاعل ومؤثر

رسالتنا: نقدم برامج تربوية تعيد للمسجد دوره الحقيقي وتسهم في رفع أداء أئمة المساجد حول العالم وتطويرهم ليقوموا بدورهم الريادي في تعليم الناس ودعوتهم على منهج أهل السنة والجماعة وفق خطة منهجية وأساليب مبتكرة.