سعة وشمول الخطبة الإسلامية

الخطبة الإسلامية تَتَّسع باتِّساع هذه الدعوة؛ لتشملَ كلَّ ناحية مِن نواحي الحياة؛ سواء كانتْ سياسيَّة، أم اقتصاديَّة، أم اجتماعيَّة، أم أخلاقيَّة، وسواء تعلَّقَتْ بالحرب أم بالسلم، بالمسجد أم بالسوق، بالحياة الخاصة أم العامة، وقد تحدَّثَ البعضُ في فُنُون الخطابة عن الخُطَب السياسيَّة، والخطب النيابيَّة، والخطب الانتخابيَّة، وخطب النوادي والمُجْتَمعات، وخطب المؤتَمَرات السياسية، كما تَكَلَّموا عن سمات الخطابة القضائيَّة، وخُطب الوعظ الدِّيني، والخطب العسكريَّة، والمحاضَرات العلميَّة العامَّة، وخُطَب التأبين، وخطب المَدْح والشُّكر، وقَسَّموا الخطابة العربيَّة من حيث تاريخُها إلى: خطابة في العصر الجاهلي، والخطابة عند المسلمين.
ويحلو للبعضِ تقسيم الخُطَب الإسلاميَّة إلى خُطب وعظيَّة، وخطب حكميَّة أو فقهيَّة، وخطب سياسية واقتصادية، وأحيانًا يَصِفُها البعضُ بأنها حماسيَّة، أو الغرض منها الإثارة والتهييج.
وقد يحدُث تفاوُت في التقييم، وتتداخل المعاني، فلِحَسْمِ ذلك لا بدَّ منَ الرُّجوع للكتاب والسنَّة، ومعرفة السُّنَن الشرعية، والسُّنَن الكونيَّة، وإلا فلا بُدَّ مِن صبغ جميع نواحي الحياة بشَرْع الله، ولا فصل بين السياسة والاقتصاد، والحرب والسلام، وبين دين الله جل وعلا وكما قال العلماء: الفصل بين الدِّين والسياسة أقصر طريق إلى الكفر؛ وقال تعالى: ﴿ اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلام دِينًا ﴾ [المائدة: 3]، وقال: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ ﴾ [الأنعام: 162، 163].
ومَن تَتَبَّع الخطب المأثورة عنْ رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة مِن بعده، فلن يجدَ مثل هذه التقسيمات، التي أدَّتْ إلى فصل الدِّين عن الدُّنيا في جانب، وإلى استهانة ببعض صور الخطابة؛ كالخُطَب الوعظيَّة عند قطاع المسلمين في جانب آخر.
قد يغلب على الخطبة: إثارة بواعث الجِهاد في سبيل الله، أو تناوُل موضوع سياسِي أو اقتصادي، وهذا لا يمنع أبدًا منَ التذكير بمعاني التوحيد والاتِّباع، وربط الشرع بالواقع، والتخويف من عذاب الله، والتذكير بالجنة والنار، والموت والقبور والآخرة.
ومع حرص الخطيب على تجنُّب الفِتَن، والتباعُد عن الإثارة والتهييج، فاتِّهامه بذلك قد يكون بغير حقٍّ، ونتيجة اعتياد سماع الخطب النمطيَّة التي لا تحرِّك ساكنًا، وقد يتفاوَتُ الأمر زمانًا ومكانًا وشخصًا، ويبقى الغرض منَ الخطبة هو إصلاح دنيا الناس بدين الله، ومعالجة المشاكل قدر الاستطاعة.
وإليك نماذجَ من خُطَب الجاهليين:
خطبة أبي طالب في زواج النبي - صلى الله عليه وسلم - منَ السيدة خديجة - رضي الله تعالى عنها -:
الحمدُ لله الذي جَعَلَنَا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وجعل لنا بلدًا حرامًا، وبيتًا محجوبًا، وجعلنا الحكَّام على الناس، وإنَّ محمد بن عبدالله ابن أخي لا يوزن به فتى من قريش، إلا رجح به بركة وفضلاً وعدلاً ومجدًا ونُبلاً، وإن كان في المال مقلاًّ، فإن المال عارية مسترجعة، وظل زائل، وله في خديجة بنت خويلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك، وما أردتم من الصداق فعليَّ.
خطبة أكثم بن صيفي في قومه، عندما جاءه نبأ النبي - صلى الله عليه وسلم -:
روي في "مجمع الأمثال" عن ابن سلام الجمحي، قال: لما ظهر النبي - صلى الله عليه وسلم -بمكة المكرمة، ودعا الناس، بعث أكثم بن صيفي ابنه حبشيًّا، فأتاه بخير، فجمع بني تميم، وقال: يا بني تميم، لا تحضروني سفيهًا، فإنه مَن يسمع يخل أنَّ السفيه يوهن من فوقه، ويثبت من دونه، لا خير فيمن لا عقل له، كبرتْ سني، ودخلتني زلة، فإن رأيتم مني حسنًا، فاقبلوه، وإن رأيتم مني غير ذلك، فقوِّموني أستقم، إن ابني شافه هذا الرجل مشافهة، وأتاني بخبره، وكتابه يأمر فيه بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويأخذ فيه بمحاسِن الأخلاق، ويدعو إلى توحيد الله تعالى، وخلع الأوثان، وترك الحلف بالنيران، وقد عرف ذو الرأي منكم أنَّ الفضْل فيما يدعو إليه، وأن الرأي ترك ما ينهى عنه.
إن أحق الناس بمعونة محمد صلى الله عليه وسلم ومساعدته على أمره - أنتم، فإن يكنِ الذي يدعو إليه حقًّا، فهو لكم دون الناس، وإن يكن باطلاً، كنتم أحق الناس بالكفِّ عنه، وبالستر عليه، وقد كان أسقف نجران يحدث بصفته، وكان سفيان بن مجاشع يحدث به قبله، وسمى ابنه محمدًا، فكونوا في أمره أولاً، ولا تكونوا آخرًا، ائتوا طائعين، قبل أن تأتوا كارهين، إن الذي يدعو إليه محمد - صلى الله عليه وسلم - لو لم يكن دينًا، لكان في أخلاق الناس حسنًا، أطيعوني واتَّبعوا أمري، أسأل لكم أشياء لا تنزع منكم أبدًا، وأصبحتم أعز حي في العرب، وأكثرهم عددًا، وأوسعهم دارًا، فإنِّي أرى أمرًا لا يجتنبه عزيز إلاَّ ذلَّ، ولا يلزمه ذليل إلاَّ عز، إن الأول لم يدع للآخر شيئًا، وهذا أمر له ما بعده، من سبق إليه غمر المعالي، واقتدى به التالي، والعزيمة حزم، والاختلاف عجز.
فقال مالك بن نويرة: قد خرف شيخكم، فقال أكثم: ويل للشجي من الخلي، وا لهفي على أمر لم أشهده، ولم يسبقني!
خطبة لقَطَرِي بن الفُجاءة الخارجي[1]:
أما بعدُ:
فإني أحذركم من الدنيا، فإنها حلوة خضرة، حفت بالشهوات، وراقت بالقليل، وتحببت بالعاجلة، وحليت بالآمال، وتزينتْ بالغرور، لا تدوم نضرتها، ولا تؤمن فجعتها، غرارة ضرارة، وحائلة زائلة، ونافذة بائدة، لا تعدو إذا تناهت إلى أمنية أهل الرغبة فيها، والرضا عنها، أن تكون كما قال الله عز وجل: ﴿ كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا ﴾ [الكهف: 45].
مع أن أمرًا لم يكنْ منها في حبرة[2]، إلاَّ أعقبتْه بعدها عبرة، ولم يلقَ من سرَّائها بطنًا، إلاَّ منحته من ضرَّائها ظهرًا، ولم تصله منها ديمة رخاء، إلا هطلت عليه مزنة بلاء، وحَرِيَّة إذا أصبحت له منتصرة أن تمسي له خاذلة متنكرة.
وإن لبس امرؤ من غضارتها ورفاهيتها نعمًا، أرهقتْه من نوائبها غمًّا، ولم يمس امرؤ منها في جناح أمن، إلا أصبح منها في قوادم[3] خوف، غرارة غرور ما فيها، فانية فانٍ مَن عليها، لا خير في شيء من زادها إلا التَّقوى، مَن أقل منها استكثر مما يؤمنه، ومَن استكثر منها استكثر مما يوبقه[4]، كم واثقٍ بها قد فجعته! وذي طمأنينة إليها قد صرعته! وكم من مختال بها قد خدعته! وكم ذي أبهة قد صيرته حقيرًا! وذي نخوة قد ردته ذليلاً! وذي تاج قد كبته[5] لليدين والفم! سلطانها دول، وعيشتها رنق، وعذبها أجاج[6]، وحلوها مُر، وغذاؤها سمام[7]، وأسبابها زحام، وقطافها سَلع[8]، حيُّها بعرض موت، وصحيحها بعرض سقم، ومنيعها بعرض اهتضام، مليكها مسلوب، وعزيزها مغلوب، وضعيفها وسليمها منكوب، وجامعها محروب[9].
مع أنَّ وراء ذلك سكرات الموت وزفراته، وهول المطلع، والوقوف بين يدي الحاكم العدل؛ ﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ﴾ [النجم: 31].
ألستم في مساكن مَن كان قبلكم أطول منكم أعمارًا، وأوضح منكم آثارًا، وأعد عديدًا، وأكتف جنودًا، وأعتد عتادًا، وأطول عمادًا؟! تَعَبَّدوها أيَّ تعبُّد، وآثروها أي إيثار، وظعنوا عنها بالكره والصغار.
فهل بلغكم أن الدنيا سمحتْ لهم نفسًا بفدية، وأغنتْ عنهم مما قد أملتهم به؟ بل أرهقتهم بالفوادح، وضعضعتهم بالنوائب، وعفرتهم للمناخر، وأعانتْ عليهم ريب المَنُون، وقد رأيتُم تنكرها لمن دان لها وآثرها، وأخلد إليها، حتى ظعنوا عنها لفراق الأبد، إلى آخر الأمد، هل زودتهم إلا الشقاء، وأحلتهم إلا الضنك، أو نورت لهم إلا الظلمة، وأعقبتهم إلا الندامة؟!
أفهذه تؤثرون، أو على هذه تحرضون، أو إليها تطمئنون؟! يقول الله تبارك وتعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [هود: 15، 16].
فبئست الدار لمن يتهمها، ولم يكن فيها على وَجَل منها.
فاعلموا - وأنتم تعلمون - أنكم تاركوها لا بُدَّ، فإنما هي كما نعت الله عز وجل: ﴿ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ ﴾ [الحديد: 20].
واتَّعظوا فيها بالذين يبنون بكل ريعٍ آية، وبالذين قالوا: مَن أشد منا قوة، واتعظوا بمن رأيتم من إخوانكم، كيف حُملوا إلى قبورهم، فلا يدعون ركبانًا، وأنزلوا فلا يدعون ضيفانًا، وجُعل لهم من الضريح أكنان، ومن التراب أكفان، ومن الرفات جيران، فهم جيرة لا يجيبون داعيًا، ولا يمنعون ضيمًا، يُزارُون ولا يستزارون، حلماء قد ذهبت أضغانهم، وجهلاء قد ماتت أحقادهم، لا يخشى فجعهم، ولا يرجى أضغانهم، وهم كمن لم يكن؛ قال الله تعالى: ﴿ فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الوَارِثِينَ﴾ [القصص: 58].
استبدلوا بظهر الأرض بطنًا، وبالسعة ضيقًا، وبالآل غربة، وبالنور ظلمة، فجاؤوها حفاة عراة فرادى، وظعنوا بأعمالهم إلى الحياة الدائمة إلى خلود الأبد؛ يقول الله تعالى: ﴿ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ [الأنبياء: 104].
فاحذروا ما حذركم الله، وانتفعوا بمواعظه، واعتصموا بحبله، عصمنا الله وإياكم بطاعته، ورزقنا وإياكم أداء حقه.
........................
[1] أحد خطباء الخوارج.
 
[2] أثر نعمته وحسن.
[3] قوادم الطير: الريش الذي في مقدمة، والمراد هنا: مظاهر الخوف.
[4] يوبقه: يهلكه.
[5] كبه: صرعه أو رماه في هوة.
[6] الماء الأجاج: الملح المر.
[7] السمام: جمع سم.
[8] للقطاف: اسم لما يقطف من عنب أو نحوه، والسلع - بفتح اللام -: شجر مُر أو الصبر أو سم.
[9] المحروب: المسلوب.
`

اتصل بنا

الفرع الرئيسي

السعودية - الرياض

info@daleelalmasjed.com

رؤيتنا : إمام مسجد فاعل ومؤثر

رسالتنا: نقدم برامج تربوية تعيد للمسجد دوره الحقيقي وتسهم في رفع أداء أئمة المساجد حول العالم وتطويرهم ليقوموا بدورهم الريادي في تعليم الناس ودعوتهم على منهج أهل السنة والجماعة وفق خطة منهجية وأساليب مبتكرة.