دور المسجد في توجيه الأسرة نحو الخير والصلاح

للمساجد دورًا عظيمًا في الإسلام، إنها بيوتُ الله تعالى، وهي أشرف البقاع على وجه البسيطة؛ حيث يُذكَر فيها اسم الله جل وعلا ليلَ نهارَ وصباح مساء، ويحضرها رجال لا يغفُلون عن طاعته سبحانه وتعالى في غدواتهم ورَوْحاتهم، في شُغلهم وفراغهم، في حِلِّهم وتَرحالهم؛ {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} [النور: 36، 37].

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ للمساجد أوتادًا؛ الملائكة جلساؤهم، إن غابوا يفتقدونهم، وإن مرضوا عادوهم، وإن كانوا في حاجة أعانوهم»، ثم قال:"جليس المسجد على ثلاث خصالٍ: أَخ مستفاد، أو كلمة محكمة، أو رحمة منتظرة".صحيح الترغيب والترهيب (1/ 252).وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "المسجد بيت كل تقي". صحيح الترغيب والترهيب (1/ 253).

والمسجد في الإسلام، باعتباره بيت الله، {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ للهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا} [الجن:18]، يحتل في نفوس المؤمنين مكانة عالية، ويحظى بهالة من الوقار والتعظيم والقدسية، ويذكر رواده بعظمة الخالق جل وعلا، فيستشعرون معيته، ويحسون بمناجاتهم إياه.

المسجد مبعث النور في دنيا الظلمات الحالكة، ومصدر الحياة في بيداء الحياة الموحشة؛ فإنه يؤهل المسلمين للحياة النافعة الكريمة، ويحثهم على التقوى والتطهير، ويطالبهم ألا يدخلوه إلا بطهارة أبدانهم وقلوبهم، إنه: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: 108].

يجبُ أن يُشجَّع أولادُ المسلمين بكل الوسائل على ارتياد المساجد، والتردُّد عليها بانتظام؛ حتى يألَفوها، وتتعلَّقَ قلوبهم بها؛ ضمانًا لِحُسن تنشئتهم وتربيتهم على طاعة الله، والبعد عن معصيته، وتوجيههم إلى أن يراقبوا اللهَ في أقوالهم وأفعالهم، ولكي يكونوا ضِمن مَن عناهم رسولُ الله بقوله: "سبعةٌ يُظلُّهم اللهُ في ظلِّه يومَ لا ظلَّ إلا ظله... وشابٌ نشأَ في طاعةِ الله تعالى، ورجُلٌ قلبُه معلَّق بالمساجد". أخرجه البخاري (660) واللفظ له، ومسلم (1031)

يقول ابن باديس حول الرسالة الرائدة للمسجد في مجال التعليم:

"المسجد والتعليم صنوان في الإسلام، من يوم ظهر الإسلام، فما بنى النبي صلى الله عليه وسلم يوم استقر في دار الإسلام بيته حتى بنى المسجد، ولما بنى المسجد كان يقيم الصلاة فيه، ويجلس لتعليم أصحابه، فارتبط المسجد بالتعليم كارتباطه بالصلاة، فكما لا مسجد بدون صلاة، كذلك لا مسجد بدون تعليم، وحاجة الإسلام إليه كحاجته إلى الصلاة".

قال الحسن البصري:

«أيها المؤمن، لن تعدم المساجد إحدى خمس فوائد؛ أولها: مغفرة من الله تكفر ما سلف من الخطيئة، وثانيها: اكتساب رجل صالح تحبه في الله، وثالثها: أن تعرف جيرانك فتتفقد مريضهم وفقيرهم، ورابعها: أن تكف سمعك وبصرك عن الحرام، وخامسها: أن تسمع آية تهديك».

والمسجد يسهم في زيادة وعي الناس وتصحيح الكثير من المفاهيم المتعلقة بالامور الحياتية المختلفة، ويساهم أيضا في محو الأمية والتي ترتفع بين النساء في مجتمعاتنا العربية والإسلامية،وتمكينهن من مدارسة القرآن الكريم زيادة على ملء الفراغ الفكري والقلبي والعاطفي والثقافي لدى المرأة.

وقد كان للصحابيات رضي الله عنهن حلقات للعلم في المسجد النبوي، فقد سألت النساء رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخصيص يوم لهن لتعليمهن أمور دينهن، وفي ذلك حديث للبخاري ومسلم يقول: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ الرِّجَالُ بِحَدِيثِكَ فَاجْعَلْ لَنَا مِنْ نَفْسِكَ يَوْمًا نَأْتِيكَ فِيهِ تُعَلِّمُنَا مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ، فَقَالَ اجْتَمِعْنَ فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا فَاجْتَمَعْنَ فَأَتَاهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَّمَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ ثُمَّ قَالَ مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْهَا مِنْ وَلَدِهَا ثَلَاثَةً إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنْ النَّارِ فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْ اثْنَيْنِ قَالَ فَأَعَادَتْهَا مَرَّتَيْنِ ثُمَّ قَالَ وَاثْنَيْنِ وَاثْنَيْنِ وَاثْنَيْنِ. (رواه البخاري :7310).

كان للمرأة دور لا ينكره أحد في التدريس في حلقات المساجد، وقد سجلت المصادر التاريخية عشرات المعلمات اللاتي جلسن للتدريس، وكان لهنّ حلق خاصة بهن، وكانت أم الدرداء، واسمها هُجيمة بنت حُيي، صاحبة حلقة في مسجد دمشق، وقد روت عن أبي الدرداء، وعن سلمان الفارسي، وفضالة بن عبيدة رضي الله عنهم، واللافت أن عبد الملك بن مروان قد أخذ العلم عنها، وكان مواظبًا على حضور درسها حتى بعد كونه أميرًا للمؤمنين. (د. راغب السرجاني، موقع قصة الإسلام : "المسجد ودروه في الحضارة الإسلامية").

الوظائف التربوية للمسجد :

للمسجد وظائف تربوية عديدة على مستوى الفرد والمجتمع، نذكر بعضا منها على النحو التالي:

*غرس عقيدة التوحيد لدى المسلمين، وتعليمهم قواعده وتطبيقاته، والعبادة وطرق أدائها وإحسانها.

* تربية المسلمين على الاعتزاز بدينهم، ويتأتى ذلك من خلال المواظبة على صلاة الجماعة في المسجـد، واستشعار تميز المسلمين في عقيدتهم وعباداتهم ومعايشة النماذج الإيمانية التي يمكن الاقتداء بها.

* بث روح الجهاد لدى المسلمين، وتنمية الاتجاه لديهم نحو التضحية بالنفس والمال؛ من أجل إعلاء راية الإسلام، ورد العدوان عن ديار المسلمين.

* تنمية القيم الخلقية والاجتماعية التي أكد عليها الإسلام، والتي باتت الحاجة إليها ماسة في عصرنا الذي طغت عليه المادة بشكل يبعث على القلق.

* معالجة السلوكات السلبية المنحرفة، المنتشرة في المجتمع، من خلال بيان أسبابها، وأضرارها، واقتراح وسائل علاجية لها، وذلك بأسلوب علمي مقنع وهذا يتطلب من الدعاة والخطباء أن يعايشوا واقع المجتمع، ويرصدوا ما فيه من متغيرات فكرية وسلوكية.

* تنبيه المسلمين إلى خطورة الغزو الثقافي لبلادهم، وتعريفهم بأهدافه وأدواته ومخاطره، واقتراح وسائل عملية لمواجهة هذا الداء.

ويمكن القول بأن المسجد بما يقوم به من واجبات تعليمية وتربوية متنوعة، يرفد المجتمع بطاقات علمية متميزة من شأنها أن تساهم في تنميته وتطويره، من خلال إحداث تغيرات إيجابية في بنيته الاجتماعية والثقافية.

­­­­­­­­­______

جمع وترتيب موقع دليل المسجد

التعليقات


`

اتصل بنا

الفرع الرئيسي

السعودية - الرياض

info@daleelalmasjed.com

رؤيتنا : إمام مسجد فاعل ومؤثر

رسالتنا: نقدم برامج تربوية تعيد للمسجد دوره الحقيقي وتسهم في رفع أداء أئمة المساجد حول العالم وتطويرهم ليقوموا بدورهم الريادي في تعليم الناس ودعوتهم على منهج أهل السنة والجماعة وفق خطة منهجية وأساليب مبتكرة.