مهارات الأخلاق العملية

  

مهارات الأخلاق العملية
 
الأستاذ الدكتور يسري محمد هانيء
 
أستاذ ورئيس قسم الدعوة والثقافة الإسلامية بكلية أصول الدين والدعوة بالمنصورة- جامعة الأزهر
 
الخطيب بمركزه الخطير والمؤثر في المجتمع قدوة يقتدي الناس بها، ومثل يحتذونه، ولهذا كان من المهم جداً أن تظهر عليه أخلاق الإسلام الفاضلة، ولربما كانت القدوة لها من الأثر ما لا تبلغه آلاف الخطب، وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول:
 
إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَىَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّى مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلاَقًا وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَىَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّى مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ وَالْمُتَفَيْهِقُونَ". قَالُوا يَا رَسُولَ الله قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ قَالَ الْمُتَكَبِّرُونَ”.
 
فهل هناك أحد جدير بحسن الخلق أكثر من الخطباء؟ لذلك لابد أن يكون الخطيب داعية ذا عقيدة سليمة وأخلاق قويمة : أعني بهذا أن يتحرك الخطيب عن عقيدة راسخة، واقتناع كامل بما يدعو إليه، مؤمنا به كل الإيمان واثقاً به كل الثقة. إن من انطلق عن هذا الفهم، كان حركة دائبة لا تعرف الملل، وطاقة هائلة لا تعرف التعب، يقول كارنيجي: ألستَ تنجذب لا شعوريا نحو المتكلم الذي تشعر أنه يحمل رسالة حقيقية في رأسه وقلبه، ويتحمس بشدة لتوصيلها إلى رأسك وعقلك؟
 
 ولعلي بهذا أفرق بين هؤلاء الخطباء الدعاة الذين ملأوا الأرض هداية، وبين الخطباء الموظفين الذين شاء الله أن يكونوا في هذه المناصب وهم لها كارهون، فكانوا خنجرا مسموما في ظهر الخطابة، فأفقدوها روحها ولفقوا لها مواضيع قديمة تميت المعاني في النفوس، ولا تحرك في الناس الإحساس بهذا الدين.
 
ومن البديهيات أن الدعوة إلى أمر لا يؤمن به صاحبه، عمل متكلف لا يؤثر ولا يفيد، إن الإيمان العميق لدي الخطيب الداعية، يسهل له كل صعب، ويذلل كل حَزْن، ويستطيع به أن يأتي بالخوارق. والأمثلة على ذلك في سنة النبي  كثيرة،منها قصة «الطفيل بن عمر الدوسي»، فقد كان يحدث أنه قدم مكة ورسول الله  بها، فمشي إليه رجال من مكة، وكان الطفيل رجلاً شريفاً، شاعراً لبيباً قالوا له: يا «طفيل» إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد اشتد أمره علينا، وقد فرق جماعتنا وشتت أمرنا. وإنما قوله كالسحر، يفرق بين الرجل وأبيه، وبين الرجل وأخيه، وبين الرجل وزوجته وإنما نخشى عليك وعلى قومك ما قد حل علينا، فلا تكلمنه ولا تسمعن منه شيئا، فالله مازالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئا، حتى حشوت في أذني حين غدوت إلى المسجد كُرْسُفاً، فرقا من أن يبلغني شيء من قوله وأنا لا أريد أن أسمعه. فغدوت إلى المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي عند الكعبة فقمت فيها منه، فأبي الله إلا أن يسمعني بعض قوله، فسمعت كلاما حسناً فقلت في نفسي: واثكل أمي! والله إني لرجل لبيب شاعر، لا يخفي علىّ الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول، فإن كان الذي يأتي به حسن قبلته، وإن كان قبيحا تركته؟ فمكثت حتى انصرف رسول الله إلى بيته فاتبعته، حتى إذا دخل بيته دخلت عليه، فقلت: يا محمد، إن قومك قد قالوا لي كذا وكذا، فوالله ما برحوا يخوفونني أمرك حتى سددت أذني بكرسف لئلا أسمع قولك فأبي الله إلا أن يسمعني قولك، فسمعت قولا حسنا فاعرض على أمرك. فعرض عليّ رسولُ الله وتلا القرآن فلا والله ما سمعت قولا قط أحسن منه. فأسلمت وشهدت شهادة الحق وقلت: يا نبي الله إني امرؤ مطاع في قومي، وأنا راجع إليهم وداعيهم إلى الإسلام".
 
وقد كان ذلك منه. لقد دفعه إيمانه العميق الذي تغلغل في أعماقه والذي حوله إلى داعية منذ أول لحظة، وجعل حياته رهنا بالدعوة إلى الإسلام دفعه أن يقف من أبيه موقفه الذي يحدثنا عنه فيقول: فلما نزلت أتاني أبي وكان شيخا كبيرا، فقلت: إليك عني فلست مني ولست منك، قال ولم يا بني؟ قلت أسلمت وتابعت دين محمد، قال أي بُنَيَّ فديني دينك فقلت: اذهب فاغتسل ثم تعال أعلمك ما علمت فذهب فاغتسل ثم جاء فعرضت عليه الإسلام فأسلم. وكذلك وقف هذا الموقف من زوجته حتى أسلمت. أقول: إن إيمانا عميقا جدا في حياة هذا الرجل، جعل الدعوة أمرا يصدر عنه دون تكلف وهكذا انطلق يدعو قبيلته إلى الإسلام وهنا أقف لأوازن بين «الطفيل» وبين كثير من خطباء اليوم فأقول: هل يقفون من دعوتهم ودينهم هذا الموقف…؟ والمقصود من العقيدة الصحيحة أن يحمل عقيدة السلف الصالح، فلا يكون مشبها ولا معطلا، بل يصف الله  بما وصف به نفسه أو وصفه نبيه.
 
وقد تسألني كيف تكون الصفات الخلقية، والأخلاق العملية مهارات؟ 
والجواب أن هذه الصفات والأخلاق العملية، تجيء بالتعود والحرص عليها، والتدريب المستمر، حتي تصبح ملكات راسخة في نفوس أصحابها، وسوف نري مع كل مهارة منها طرق وأساليب كسبها وتجويدها والله المستعان. فإلى المهارات. أ- مهارة الثقة بالنفس وسداد الرأي : كثير من الناس حينما يكلفون بالخطبة، يشعرون بأنهم حملوا أمرا فوق طاقتهم، ويضمون إلى هذا الإحساس عجزا واضحا حين إلقاء الخطبة، حيث يصابون بالاختلال العصبي فيحمر لونهم، ويبلهم العرق، ويصيبهم فزع شديد، وذلك كله ناتج من عدم الثقة بالنفس وهو يرجع في رأيي إلى عدة أمور:
 
1/قلة الدراية بفن الخطابة وما يتطلبه من الخطيب، مع قلة الدُّربة على مواجهة الجماهير، ولذلك أوصي القائمين على إعداد الخطباء بتلافي هذه العيوب، بتمرين الناشئة على مواجهة الجماهير، برباطة جأش وقوة تحمل.
 
2/عدم تحضير الخطبة، لأن سداد الرأي الذي نتحدث عنه لا يكون إلا بدراسة موضوع الخطبة دراسة جيدة، حتى لا يتعرض الخطيب لما لا يتقنه ولا يخوض في حديث ليس له به علم.
 
3/ضحالة الثقافة وقلتها، وذلك أمر بدهي يظهر واضحا أمام الجماهير فقليل الثقة، أو خاوي الوفاض منها، يصعد المنبر فيبدو للناس مهزوزا لا تثبت له قدم ، تدل حركاته العشوائية على تخبطه وعدم ثقته بنفسه، أما واسع الثقة طويل الباع فيها فيخطو تجاه المنبر في ثقة بالله ثم بنفسه، فيلحظ الناس في كلامه سداد الرأي مع قوة الحجة، وجمال العرض، ورباطة الجأش. وهذا كله لا يخفي أثره الشديد في عمل الخطيب، ولكن كيف يحقق الخطيب هذه المهارة؟
 
إن تحقيق هذه المهارة ليس بالأمر العسير؛ إذ أن الثقة بالنفس، وسداد الرأي عند الحديث أمام الجماهير فرصة سهل علي كل شخص يريد الوصول إليها بما يلي:
 
أ- ابدأ برغبة قوية جدًّا في أن تحصل هذه المهارة، فإن هذا الإصرار يذلل الصعاب.
 
ب- ثق أن هذا الأمر أيسر مما تصوره نفسك نتيجة الخوف من الموقف.
 
ج- كن على اقتناع أن محاولتك الحديث أمام الناس، لن تكون نهاية الدنيا حتى لو فشلت… إنها تجربة.
 
د- ضع بعض المحَفِّزات والجوائز التي تنشط الذهن، وتدفع إلى الإقدام أمام عينيك، فإن النجاح في هذا الموقف يعني أنك ملكت موهبة أغلى من ملايين الدنيا.. نعم لقد تمنى كثير من الرأسماليين، وأصحاب الأموال، أن لو كانوا خطباء موهوبين، حتى أن رجلا مثل «فيليب آرمور» يقول بعد أن جمع الملايين: كنت أُفضّل أن أكون خطيبا مفوها على أن أكون رأسماليا عظيما.
 
وضع أمام عينيك- وبخاصة إذا كنت خطيب الجمعة –سمو المهمة وشرف المنزلة، فأنت في خلافة النبي على المنبر، وجوائزك عند الله عظيمة… ألا يدفعك كل ذلك إلى فنام الثقة بنفسك… توكل على ربك واستعن به يعنك.
جـ- مهارة التودد للسامعين :
 
وهو ما يعرف «بالمشاركة الوجدانية»، وتتم هذه المهارة للخطيب بما يلي :
 
أ- التواضع للناس
 
ب- أن يتألفهم ويألفوه فلا يكون جافيا خشنا قاسيا، بل يكون رقيق القلب، سليم الطوية.
 
جـ- أن يظهر لهم أنه يسعى لمصلحتهم وأنه يؤثرهم على نفسه.
 
د- أن يظهر أنه لا غرض له شخصيا فإن الغرض إذا ظهر من الخطيب جعل الريبة تتطرق إلى قوله.
 
هـ- أن يشاركهم حياتهم في الخير والمعروف، ليشعر بشعورهم وينقل آراءهم، وينفعل معها ويعرف تقاليدهم وأحوالهم، وهو في هذه المشاركة لا يفضل غنيا على فقير ولا رئيسا على مرؤوس، الجميع واحد، والفضل للأتقياء.
 
و- أن المشاركة تعطي إحساسا عمليا له قوته في الوصل والتأثير، ومن المعروف أن المشاركة الوجدانية هي الرباط الحقيقي الذي يصل القلب بالقلب، ويربط العقل بالعقل، والجسم وبالروح وهي التي تنشئ كل التصرفات والسلوك. وبهذا يحتل الخطيب مكانة عليا بين الناس، ويقدمونه عليهم، وينهجون نهجه وما يحدث ذلك إلا بعد أن يتأكدوا من حبه لهم، وإخلاصه لمصلحتهم. ومن هنا ندرك كيف أن الإسلام ترك أثرا ضخما في نفوس خطبائه، بتمثلهم ما في القرآن من هذه المعاني التي يزخر بها، ومنها ما يمدح به الأنصار بوضوح هذه الصفة فيهم قال تعالى:}وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ{[الحشر:9]
 
وبتمثلهم سيرة رسول الله الذي يطمئن رجلا صافحه فخافه وهابه فيقول له: «هون عليك فإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد بمكة».ويتمثلهم تراث الأجداد، ومنه خطبة «يزيد بن الوليد بن عبد الملك» التي قال فيها: «يا أيها الناس والله ما خرجت أشراً ولا بطراً، ولا حرصا على الدنيا، ولا رغبة في الملك، وما بي إطرا لنفسي. وإني لظلوم لها، ولقد خسرت إن لم يرحمن يربي ولكنني خرجت غضبا لله والدين، وداعياً إلى الله وسنة نبيه، ولما هدمت معالم الهدي وأطفئ نور النبوة، وظهر الجبار العنيد المستحل لكل حرمة، والراكب لكل بدعة، مع أنه- والله- ما كان يؤمن بيوم الحساب، ولا يصدق الثواب والعقاب، وإنه لابن عمي في النسب، وكفئي في الحسب، فلما رأيت ذلك استخرت الله في أمره، وسألته ألا يكلني إلى نفسي ودعوت إلى ذلك من أجابني من أهل ولايتي، حتى أراح الله منه العباد، وطهر منه البلاد بحول الله وقوته لا بحولي وقوتي.
وقد روي عن «هرم بن حيان» أنه قال: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله تعالى، إلا أقبل الله تعالى بقلوب أهل الإيمان إليه، حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم. وهذا يظهر أثر هذا التودد، وهذه المشاركة الإيجابية في نجاح الخطيب. د- مهارة العمل بعلمه : قال سفيان الثوري: أول العلم الصمت، والثاني الاستماع، والثالث الحفظ، والرابع، العمل به، والخامس نشره. العمل بالعلم مهارة لابد منها للخطيب، حتى لا يكذب فعله قوله، ولا يخالف ظاهره باطنه، بل لا يأمر بالشيء، ما لم يكن هو أول عامل به، ولا ينهي عن الشيء ما لم يكن هو أول تارك له ليفيد وعظه، وإلا انعكس الأمر ففقد وعظه مكانته في النفوس، وسقط الخطيب من أعين الناس. والقرآن يحذر من إهمال العمل بالعلم فيقول الله تعالى:} سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ{[الصف:2-3]، وقال سبحانه:}أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ{ [البقرة: 44].
 
قال حجة الإسلام الغزالي- رحمه الله- فيما كتبه إلى «أبي حامد أحمد بن سلام» بالموصل: «أما الوعظ فلست أري نفسي أهلاً له لأن الواعظ ركاة نصابه الاتعاظ، فمن لا نصاب له كيف يخرج الزكاة؟ أ.هـ. نعم فاقد النور كيف يستنير به غيره؟ ومتي يستقيم الظل والعود أعوج؟
 
ولذلك قيل في المعني:
يا أيها الرجل المعلم غيره      هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا كيما يصح به وأنت سقيم
ونراك تصلح بالرشاد عقولنا    أ بدا وأنت من الرشاد عديم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها     فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يسمع ما تقول ويشتفي     بالقول منك وينفع التعليم
لا تنه عن خلق وتأتي مثله     عار عليك إذا فعلت عظيم
 
وقال أبو العباس الأعمى : إذا وصف الإسلام أحسن وصفه بِفِيهِ، ويأبي قلبُه ويُهَاجِرهُ وقال «مالك بن دينار»: إن العالم إذا لم يعمل بعمله، زلت موعظته عن القلوب، كما يزل القطر عن الصفا.
هـ- مهارة الإخلاص والصدق : لابد أن يكون الخطيب مخلصا لله، صادقا في كل عمله، يقول الإمام «ابن كثير» في تفسير سورة الكهف: «إن الله لا يقبل العمل إلا بشرطين: أولهما : الإخلاص لله فيه قال تعالى:}فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا{[الكهف:110]. ثانيهما : كونه موافقا لما شرعه الله تعالى
 
ويتجلي ذلك المعني في حديث رسول الله الذي رواه أبو هريرةرضي الله عنهوأرضاه: قال سمعت رسول الله يقول: "إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ. قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ جَرِىءٌ. فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ فِى النَّارِ وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ. قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ. وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ. فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ فِى النَّارِ. وَرَجُلٌ وَسَّعَ الله عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلاَّ أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ. فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِىَ فِى النَّارِ".
 
ويتحقق الإخلاص عند الخطيب الداعية في أن لا يريد بدعوته إلا وجه الله فلا يكون له غرض في الحصول على مكانة اجتماعية مرموقة بين الناس على حساب دينه، ولا يهمه كثيراً أن يكون مشهوراً أو أن يكون مغموراً بين الناس، ولا يهتم بثناء الناس أو مدحهم. فمثل هذه الأشياء لا ينبغي أن تأخذ من حيزه الفكري شيئا، لأنه مشغول بدعوته وخطبته عن النظر إليها. وقد رسم العلماء المربون الطريق لتحقيق هذه المهارة بالتدريب على ثلاثة أشياء نبه عليها العالم الزاهد «شقيق بن إبراهيم»- رحمه الله- حيث قال:
 
مصدر العمل ثلاثة أشياء:
 
أولها : أن يري أن العمل من الله، ليكسر به العُجْب.
 
ثانيها : أن يريد به رضا الله، ليكسر به الهوي.
 
ثالثها : أن يبتغي ثواب العمل من الله، لا الطمع ولا الرياء.
 
وبهذه الثلاثة تخلص الأشياء. ويعلق العلامة «السمرقندي» على ذلك بقوله: فأما قوله أن يرى العمل من الله تعالى يعني يعلم أن الله تعالى هو الذي وفقه لذلك العمل، لأنه إذا علم ذلك يشتغل بالشكر ولا يعجب بعمله، وأما قوله: يريد به رضا الله تعالى، يعني ينظر في ذلك العمل، فإن كان لله تعالى وفيه رضاه فإنه يعمله، وإن علم أن ليس لله فيه رضا، فلا يعمله، كيلا يكون عاملا بهوي نفسه لأن الله تعالى يقول يعني تأمر بالسوء وبهواها.أما قوله: أن يبتغي ثواب العمل من الله، يعني خالصا لوجه الله تعالى ولا يبالي من مقالة الناس. كما روي عن بعض الحكماء أنه قال: ينبغي للعامل أن يأخذ الأدب في عمله من راعي الغنم قيل: كيف ذلك؟ قال لأن الراعي إذا صلي عند غنمه، فإنه لا يطلب بصلاته محمدة من غنمه، كذلك ينبغي أن لا يبالي من نظر الناس إليه، فيعمل لله تعالى، عند الناس وعند الخلاء بمنزلة واحدة، ولا يطلب محمدة الناس، واقرأ جيدا ما قاله الإمام «ابن القيم» في الفوائد: (لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء، والطمع فيما عند الناس، إلا كما يجتمع الماء والنار، والضّب والحوت، فإذا حدثتك نفسك بطلب الإخلاص؛ فأقبل على الطمع أولا فاذبحه بسكين اليأس “أي مما في أيدي الناس” وأقبل على المدح والثناء، فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة، فإذا استقام لك ذبحُ الطمع والمدح؛ سهل عليك الإخلاص. فإن قلت : وما الذي يُسهل عليّ ذبح الطمع، و الزهد في الثناء و المدح؟ قلت : أما ذبح الطمع فيسهله عليك علمك يقيناً أنه ليس من شئ يُطمع فيه إلا و بيد الله وحده خزائنه لا يملكها غيره ، ولا يؤتي العبد منها شيئاً سواه . وأما الزهد في الثناء و المدح، فيسهله عليك علمك أنه ليس أحد ينفع مدحه ويزين ، ويضر ذمه و يشين إلا الله وحده، كما قال ذلك الأعرابي للنبي  : إن مدحي زين و ذمي شين ، فقال: (ذاك الله عز وجل) فازهد في مدح من لا يزينك مدحه ، و في ذم من لا يشينك ذمه ، وارغب في مدح من كل الزين في مدحه ، و كل الشين في ذمه، ولن يقدر على ذلك إلا بالصبر و اليقين ، فمتى فقدت الصبر و اليقين، كنت كمن أراد السفر في البحر في غير مركب، قال تعالى: }فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ{ [الروم:60].
 
وقال تعالى:}وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ{ [السجدة:24].
 
وصلى اللهم على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم

التعليقات


`

اتصل بنا

الفرع الرئيسي

السعودية - الرياض

info.msjed@gmail.com

رؤيتنا : إمام مسجد فاعل ومؤثر

رسالتنا: نقدم برامج تربوية تعيد للمسجد دوره الحقيقي وتسهم في رفع أداء أئمة المساجد حول العالم وتطويرهم ليقوموا بدورهم الريادي في تعليم الناس ودعوتهم على منهج أهل السنة والجماعة وفق خطة منهجية وأساليب مبتكرة.