ما قبل الصعود للمنبر

 يعتبر هذا الوقت - أي قبل اعتلاء المنبر - من أهم ما يجب على الخطيب أو الواعظ الاهتمام به، واستغلاله أفضل ما يمكن؛ فهو بمثابة التهيئة والاستعداد لدخول حلبة النزال، ومواجهة الجمهور وجهًا لوجه، وتوجيههم وإرشادهم، وهم بلا شك يتباينون في مذاهبهم ومدى استعدادهم، وتقبُّل ما يقوله لهم الخطيب؛ ولذا ينبغي على الخطيب مراجعةُ ما ينبغي مراجعته، والاستعداد على أتمِّ وجه قبل إلقاء الخطبة، والملاحظ أن بعض الخطباء يستعجل في ارتقاء المنبر - ثقة مفرطة منه، وأنه ليس به حاجة للمراجعة - مما يعرّضه أحيانًا للوقوع في أخطاء، وربما الارتباك، والسبب يعود إلى عدم جاهزيته للوعظ[1]، وهذه جملة ملاحظات هامة ينبغي على الخطيب الأخذ بها، ووضعها في عين الاعتبار، ومنها:

1/الدعاء[2] والتضرع إلى المولى أن يوفِّقه ويشرحَ صدره، وينفع به، وأن يُلهِمه الصواب والسَّداد، وأن يجعل له القبول، ويرزقه الصدق والإخلاص في القول والعمل، وأن يجنِّبه الشَّطط في القول والعمل، ويكثر من الأدعية النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، التي منها ﴿ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي ﴾ [طه: 25 - 28]، ربِّ، علِّمني ما ينفعني، وانفَعْني بما علمتني، ربِّ، أعوذ بك من شر نفس، ربِّ، ألهِمْني رشدي، وقِنِي شر نفسي)، ونحوه من الأدعية النبوية الشريفة الكريمة، التي من شأنها أن تمدَّ الخطيب بقوة معنوية تعينه على أداء مهمته على الوجه الأكمل، وترزقه الانشراح والاطمئنان عند الإلقاء، وتزيل عنه داعيَ الخوف والقلق، وتجعله ثابتَ الجأش، قوي العزيمة، متين الإرادة.
2/مراجعة ذهنية سريعة لموضوع الخطبة ومعالمها الرئيسة، وربطها بواقع الحال، والتأكد من تسلسل الفقرات، وتناسق العبارات، والتوفيق بين خاتمة الخطبة ومقدمتها، والتأكد من رواة الحديث وصحته، وألفاظ الحديث الواردة في الخطبة، ونحو ذلك، وإن كانت الخطبة مكتوبة على الورقة، فقراءتها ولو مرةً، وضبط ألفاظها، ورسم كلماتها، وتحريك حروفها، وكذلك مراجعة الآيات القرآنية الكريمة التي سيتلوها الخطيب في صلاته، وضبط أحكامها التجويدية، ومخارج الحروف وصفاتها، وقد دلت السيرة أن الأوائل كانوا يهتمون بتحضيرها قبيل إلقائها على المنبر، ومن ذلك قول الخليفة الراشد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: "وكنتُ قد زوَّرتُ في نفسي مقالة"، مما يدل على الاهتمام، وهو نابع من حبهم لهداية الناس، وشعورهم بالمسؤولية الملقاة على عاتقهم، وسواء كانت الخطبة من الورقة أو ارتجالية ففي الحالين ينبغي الاهتمام بها، ومراجعتها؛ من أجل أن يملِكَ الخطيب زمام المبادرة.
إننا نرى هواة المسرح والفن يبذلون جهدًا عظيمًا في إتقانهم للحركات والإشارات، ومراجعة النصوص ومفردات اللغة، قبل صعودهم إلى خشبة المسرح، والخطيب الذي يريد هداية الأمة وإرشادها إلى ما فيه صلاحُها في الدِّين والدنيا، وإلى ما ينفعها ويحميها من مزالق الشهوات أولى وأجدر.
 
3/معرفة الوقت الذي سوف تستغرقه الخطبة من خلال بعض التدابير، مثل: لُبس الساعة اليدوية، أو كتابة الخطوط العامة العريضة، والعناوين الرئيسة لموضوع الخطبة على ورقة صغيرة؛ لئلا يستطرد، أو يخرج عن الموضوع، فيدخل الملل والسآمة إلى قلوب السامعين.
 4/أن يحافظ على صلاة النافلة، وخاصة الضحى، في بيته في يوم الجمعة، وتلاوة سورة الكهف قبل ارتقاء المنبر؛ فقد ثبت فضل النوافل من العبادة، وخاصة الصلاة، وما لها من الأثر في انشراحِ الصدر، وقرة العين، واطمئنان القلب، والخطيب ينبغي له أن يحافظَ على نوافل العبادة، ويتقرَّب إلى الله بها، وبالذِّكر والصلاة على رسول الله والدعاء؛ فإن لها شأنًا عظيمًا في تقوية المعاني، وقوة القلب وشجاعته.
فائدة: من السنة في حق خطيب الجمعة: ألا يأتي المسجد إلا عند دخول وقت الخطبة، فإذا دخل المسجد، فإنه يرقى على المنبر مباشرة، ولا يصلي تحية المسجد، هذا الذي يدل عليه فِعلُه عليه الصلاة والسلام.
وقد سئل الشيخ ابن عثيمين: الخطيب يوم الجمعة، هل يجوز له صلاة تحية المسجد ويجلس، أو يصعد إلى المنبر مباشرةً؟
فأجاب رحمه الله: "هذه المسألة نجيب عنها على وجهين:
الوجه الأول: أن بعض أئمة الجوامع يتقدمون ويأتون في الساعة الأولى أو الثانية؛ رجاء أن يصيبوا أجر من تقدم، ثم يصلون ما شاء الله، ثم يجلسون إلى أن تزول الشمس، ثم يقوم فيصعد المنبر، وهذا اجتهادٌ، لكنه خلاف الصواب؛ فإن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يكن يأتي يوم الجمعة، ويجلس ينتظر الزوال، ثم يقوم فيسلم على الناس، بل كان عليه الصلاة والسلام يأتي حين الزوال، أو حين يريد أن يخطب، دون أن يتقدم.
الوجه الثاني: أن الخطيب إذا دخل في الوقت الذي يريد أن يخطب فيه، فإنه لا يصلي ركعتين، بل السنَّة أن يتقدم إلى المنبر ويصعد إلى المنبر ويأتي بالخطبة[3]".
5/تناول بعض ما يعينه على أداء مهمته؛ لأنه يبذل جهدًا يُفقِده كثيرًا من السوائل، ومن تلك الأطعمة النافعة المفيدة، المقوِّية للجسم، المنقية للصوت، المحسنة له: التمرُ والعسل والزنجبيل، والحلبة واليانسون والشاي الأخضر، ونحو ذلك، مما ورد عن أهل الخبرة بالأعشاب وفوائدها ومنافعها للجسم والبدن، وليجتنب الأطعمةَ التي تحتوي على التوابل والبهارات؛ فإنها مضرَّة للصوت ونقائِه وصفائه.
...............
[1] الخطباء يتفاوتون من ناحية الاستعداد والتحضير والتأثير؛ فالبعض منهم كالسيل الجارف في أسلوبه وبيانه، ووضوح مقصده، وقوة حافظته، وله قوةٌ عجيبة في استحضار المعاني في قوالبَ من الألفاظ البلاغية والبيانية، دون أن يتلعثم أو يتردد، وهو بالكاد يبلع ريقه، ليستمر في وعظه وإرشاده، والبعض الآخر يحتاج للورقة؛ لضبط ألفاظ الخطبة، ولتكون على قواعد اللغة؛ حتى لا يشطح ويقع في الخطأ، ولا يخرج عن مضمون ما يرمي إليه، وينسى موضوع الخطبة، أو يطيل في وعظه، وقد رأينا علماءَ ومفكرين لا يحبذون الارتجالية في الخطبة، رغم علمهم الواسع، ورسوخهم في الدِّين، وليس ذلك بعيبٍ ما دام المقصود هو إيصالَ الفكرة الحسنة إلى الناس، ودعوتهم إلى الاستقامة على المنهج السليم).
[2] أما دعاء الخطيب عند درج المنبر، فقد قال الأئمة: إنه لم يكُنْ من هَدْيِه صلى الله عليه وسلم، وقال الشيخ الألباني - رحمه الله -: إنه من البِدَع، وقال الشيخ ابن باز - رحمه الله - في فتاوى نور على الدرب: لا أعلَم في هذا شيئًا.
[3] من موقع الشيخ محمد المنجد - حفظه الله ورعاه.
 
 

التعليقات


`

اتصل بنا

الفرع الرئيسي

السعودية - الرياض

info@daleelalmasjed.com

رؤيتنا : إمام مسجد فاعل ومؤثر

رسالتنا: نقدم برامج تربوية تعيد للمسجد دوره الحقيقي وتسهم في رفع أداء أئمة المساجد حول العالم وتطويرهم ليقوموا بدورهم الريادي في تعليم الناس ودعوتهم على منهج أهل السنة والجماعة وفق خطة منهجية وأساليب مبتكرة.