الإشارة في الخطابة

 تُعتبر الإشارةُ باليد مِن الوسائل الهامَّة النافِعة في تدعيم الفِكرة، وترسيخ المعلومة في الذِّهن، وتدخُل ضمنَ ما يُسمَّى بلُغة الجسد، ومعنى لغة الجسد: تلك "الحَرَكات التي يستخدِمها بعضُ الأفراد إراديًّا، أو غير ذلك؛ مثل الإشارة باليَد، ونبرة الصَّوْت، وهز الكَتِف أو الرأس، أو نفض اليد"[1ٍ].

ونحو ذلك مِن أجْلِ تفهيمِ المخاطَب أو المدعو بشكلٍ آكد، ولها وسائلُ عِدَّة ليس الغرَضُ هنا بسطَها، أو تفصيل الكلام فيها، ولما كان لها مِن التأثيرِ في إيضاح المعنى جاءتِ السُّنة المطهَّرة بالاهتمام بها في بيانِ معاني الإسلام، واهتمَّ الرسولُ – صلَّى الله عليه وسلَّم – باستخدامها كثيرًا في خُطَبه ومواعظه؛ للتعبيرِ عن مشاعرِه، وعن معاني الدِّين، كما كان الصحابة – رضوان الله عليهم – يفهمون ما يَرْمي إليه الرسولُ مِن رسائلَ من خلال إشاراته، ويُدركون معانيَها ودلالتها العظيمة، وحسبُنا أن نذكر بعضًا من النصوص النبوية التي استخَدَم فيها الإشارة باليدِ؛ لكونها ممَّا لها صلة بموضوعنا، وبعدَها نتكلَّم حولَ الضوابط العامة في الموضوع، ومِن الله التوفيق والإعانة.
1- الدَّلالة على الوَحْدة والائتلاف: وقد صحَّ عن النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – أنَّه قال: "المؤمن للمؤمن كالبنيانِ، يشُدُّ بعضُه بعضًا، وشبَّك بيْن أصابعه"[2].
2- التحذير من بعضِ المحرَّمات: كحديثِ معاذ بن جبل – رضي الله عنه – قلتُ: يا رسولَ الله، أخبِرْني بعملٍ يُدخلني الجنة، ويُباعِدني من النار، قال: "لقدَ سألتَ عن عظيم، وإنَّه ليسيرٌ على مَن يسَّره الله عليه، تعبُد الله لا تُشرك به شيئًا، وتُقيم الصلاة، وتُؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجُّ البيت، ثم قال: ألاَ أدلُّك على أبوابِ الخير؟ الصوم جُنَّة، والصدقة تُطفِئ الخطيئةَ كما يطفئ الماءُ النار، وصلاةُ الرجل مِن جوف الليل، ثم تلا ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ ) [السجدة: 16]، حتى بلغ ( يَعْمَلُونَ ) [السجدة : 17]، ثم قال: ألاَ أُخبرك برأسِ الأمر، وعموده، وذِروة سنامه؟" قلت: بلى يا رسولَ الله، قال: "رأسُ الأمرِ الإسلام، وعموده الصلاة، وذِروة سنامه الجهاد، ثم قال: ألاَ أخبرك بمِلاك ذلك كله؟" قلت: بلى يا رسولَ الله، فأخَذ بلسانه، قال: "كُفَّ عليك هذا"، قلت: يا نبيَّ الله، وإنَّا لمؤاخذون بما نتكلَّم به؟ فقال: "ثكلتك أمُّك، وهل يَكبُّ الناسَ في النار على وجوههم – أو على مناخرهم – إلا حصائدُ ألسنتهم"؛ رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح[3].
3- بيان معنًى مِن معاني العقيدة الإسلامية؛ حيث خطَب النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – في أمَّتِه يومَ عرفة، فقال لهم: "ألاَ هل بلغت؟" قالوا: نعم، فرفَع إصبعَه إلى السماء يقول: "اللهمَّ اشهد"، فهذا الفعْل منه – صلَّى الله عليه وسلَّم – يدلُّ على علوِّ الله – عزَّ وجلَّ[4].
4- بيان أشراطِ الساعة وما يَسبِقها مِن أحداث وفِتن: عن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال: ذكَر النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – قال: "اللهمَّ بارِكْ لنا في شامِنا، اللهمَّ باركْ لنا في يمننا"، قالوا: يا رسولَ الله! وفي نجْدِنا؟! قال: "اللهمَّ بارِكْ لنا في شامِنا، اللهمَّ بارِكْ لنا في يمننا"، قالوا: يا رسولَ الله، وفي نجدنا؟! – فأظنُّه قال في الثالثة -: "هنالك الزلازل والفتن، وبها يَطلُع قرْنُ الشيطان"؛ لفظ البخاري، في لفظ لمسلم: "إنَّ رسولَ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – قام عندَ باب حفصةَ، فقال بيده نحوَ المشرِق: الفِتنة ها هنا من حيثُ يطلع قرْنُ الشيطان" قالها مرَّتين أو ثلاثًا[5].
ولَمَّا كانتِ الإشارة باليد ممَّا يكثر استعمالُه للتعبيرِ عن المعاني، وخاصَّة مِن لدن الخطيب الذي يرْتَقي المِنبر، أو الواعِظ الذي يُلقي درسًا أو محاضرة؛ وجَب التنبيهُ على بعضِ الأمور، تجعَل الخطيب متوازنًا معتدلاً في تصرُّفاته وحركاته، كما هو مطلوبٌ منه أن يكون متوازنًا معتدلاً في كلامِه وطرْحه وأسلوبه، ومِن ذلك:
أولاً: عدَم الإكثار مِن الإشارة بدون سببٍ، فيكون حالُه كالممثِّل على خشبةِ المسرَح، بل يتمَّ توزيعُ ذلك باعتِدال تامٍّ أمامَ الحاضرين، والحرَكة الكثيرة هي مِن عادة بعضِ الخطباء ممَّا يجلب انطباعًا غير محمود، ولو كانتْ خطبته رنانة.
ثانيًا: أيضًا مِن غير المستحسَن أن يبقَى الخطيب جامدًا كأنَّه عمود لا يتحرَّك، فيبقَى طولَ الخُطبة لا يعبِّر بيده عمَّا يَجيش في صدْره، فيملّ الناس مِن موعظته[6].
ثالثًا: الالْتفات المعقول، والحِكمة في استعمالِ الإشارة، فلا يُشير إلى أحدٍ بعينه، أو طائفةٍ مِن النَّاس وهو يتكلَّم – مثلاً – عن المنافقين أو الكافرين؛ لئلاَّ يقعَ في سوء الظَّنِّ، ويكون ذلك سببًا لنفور الناس عنه، وإنْ لم يقصدْ هو ذلك.
رابعًا: أن يكون متحكِّمًا في انفعالاتِه ومشاعره مِن غضِبٍ وتألُّم، وتحسُّرٍ وتأسُّف، وحبٍّ، فتكون مبنيةً على أساسٍ قويم، ومنهجٍ سليم، تتناسَب مع المقامِ والحال، وظروف مَن يخاطبهم؛ ولذا مِن غير المستحسَن أن يتخبَّطَ في حركاته أمامَ مَن يخاطبهم، فيضرب بقوَّة على المِنبر، أو يجذب إليه (الميكرفون)، أو يضطرب في حركاتِه، أو نحو ذلك[7].
خامسًا: من المهمِّ جدًّا – كما سَبَق – أنْ تتناسب حركةُ يده مع كلماته، وأن "يناسِب بيْن الحرَكة والنطق، والإشارة والعِبارة، ويراعي ألاَّ يشعر المتحدِّث أنه ملزمٌ بالجمود في بقعة محدَّدة، أو أنَّ أعضاء جسمِه ممنوعةٌ مِن الحرَكة، فالمهم ألاَّ ننفرَ مِن استخدام الإيماءات ونوظِّفها بنجاح"[8].
والمقصود أن يكونَ الخطيب ذا مهابة ووقار، وأن تكونَ له مهابةٌ في القلوب، فيستعمل خُلُقَ الورَع والخوف مِن الله، كما هو دَأب أوْلياءِ الله الصَّالِحين، حتَّى تعظِّمَه النفوس، وتنقاد إلى سماعِه الآذان، فلا يظهر بمظْهَر الهازل أمامَ مَن يدعوهم، وأعظم ما يُحقق له هذا المقصودُ هو تقوى الله، وترجمة ما يقوله إلى واقِعٍ ملموس، فإنَّ ما في الباطن يؤثِّر – بلا شكٍّ – على المظهر، ومَن خشَع قلبُه سَكَنتْ جوارحه، فلا يحتاج إلى التصنُّع أو المداهنة.
والأمر الثاني: دراسة سِيرة الرسول المكرم، وهديه في مواعظه وخُطَبه، ففي ذلك رصيدٌ لمن أراد أن يتصدَّى للوعْظ والموعظة.
فائدة: في سؤال وُجِّه إلى سماحة الشيخ العلاَّمة ابن جبرين – رحمه الله – سُئِل فيه ما يلي:
ما الحُكْم في إمامٍ يخطب الجُمُعة، ويُكثِر الحركَة على المنبر، ويتمايل كثيرًا أثناءَ الخُطبة، وكلَّ لحظة وأخرى يقول: وحِّدوا الله، وصلُّوا على رسولِ الله، ويطلب مِن الجالسين أن يرفعوا أصواتهم؟
فأجاب: على كلِّ خطيب أن يؤدِّيَ الخُطبة المعتادة، وإذا تفاعَل وتحمَّس في الإلْقاء؛ ليثيرَ النفوس، ولا بأسَ بحرَكة الرأس والالْتِفات يمينًا وشمالاً عندَ الحاجة، فأمَّا الحاضرون فعليهم الإنصات، ولا يجوز لهم رفْع الصَّوْت بالكلام، ولا يكلّفهم الإمام بذلك، ويجوز لهم التأمينُ على الدُّعاء، ولهم أيضًا الصلاة على النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – عندَ ذِكْرِه، أو نحو ذلك، والله أعلم[9].
وصلَّى الله على محمَّد، وآله وصحْبه أجمعين.
ــــــــــــ
[1] من بحث موسَّع، نُشِر على (الموسوعة الحرة)، بعنوان "لغة الجسد".
 [2] الحديث رواه البخاري عن الصحابي أبي موسى الأشعري – رضي الله عنه – برقم (6026).
 [3] انظر: "السلسلة الصحيحة"؛ للشيخ الألباني – رحمه الله – رقم (3284) قال عنه: إسناده صحيح رجاله.
 [4] الحديث رواه البخاري عن عبدالله بن عمر – رضي الله عنه – رقمه (1742).
[5] رواه البخاري عن عبدالله بن عمر – رضي الله عنه – رقمه – 3279.
 [6] بعضُ الخطباء يضع يدَه على صدره طيلةَ وقت الخطبة، يظنُّ أنَّ الحركة في الخُطبة تنافي الخشوع والتواضع، وهو مجانب للصواب.
 [7] رأيتُ بعضًا مِن هؤلاء الخطباء – أصلحه الله – يجذب إليه (الميكرفون بقوة)، وبضرب على المنبر بشدَّة، حتى يخرجَ رذاذ البصاق مِن فمه، وكأنَّه في حلبة مصارعة، يريد أن يقتُلَ خصْمه، ولا يدري أنَّه يخاطب العقول والقلوب، فيحتاج إلى قدرٍ كبير من الحِكْمة والتعقُّل، والانفعال المعقول.
 [8] من بحث بعنوان "نبرة الصوت والحركة" للأخ الفاضل عبدالغني مزهر، تجده على موقع (ملتقى الخطباء)، وموقع (الألوكة).
 [9] من موقع سماحة الشيخ عبدالله بن جبرين – رحمه الله.

التعليقات


`

اتصل بنا

الفرع الرئيسي

السعودية - الرياض

info.msjed@gmail.com

رؤيتنا : إمام مسجد فاعل ومؤثر

رسالتنا: نقدم برامج تربوية تعيد للمسجد دوره الحقيقي وتسهم في رفع أداء أئمة المساجد حول العالم وتطويرهم ليقوموا بدورهم الريادي في تعليم الناس ودعوتهم على منهج أهل السنة والجماعة وفق خطة منهجية وأساليب مبتكرة.